حولا… أربعون عائلة تحرس الذاكرة بانتظار العودة

لم يبقَ من حولا شيء يُذكر. نحو 80 % من منازلها دُمّر، وجزء كبير من أراضيها بات محتلًا، ويُمنع أهلها من زيارتها. قرب تلك الأراضي أقام الجيش الإسرائيلي موقعًا في العباد وآخر بين حولا ومركبا. هذه الأراضي الخصبة التي كان أبناء حولا يزرعونها تحولت إلى أرض جرداء، فالزراعة ممنوعة كما الحركة.

تغيّرت أحوال البلدة. لم يبقَ من سكانها سوى نحو 40 عائلة، معظمهم من كبار السن، تربطهم بحولا علاقة وجود وذاكرة. عند دخول البلدة يستقبلك الدمار، فيما عجلة إعادة الإعمار لم تتحرك بعد، بانتظار الانسحاب الإسرائيلي وإطلاق الحكومة خطة إعمار قرى الحافة الأمامية.

كيف يعيش من عاد إلى حولا؟ وأي ظروف يواجهها في ظل الاعتداءات المتواصلة؟ أسئلة مشروعة في ظل واقع معيشي متردٍ لا يطول حولا وحدها، بل معظم قرى الجنوب.

أكثر العائدين من كبار السن، ممن يرون في حولا «الحياة نفسها». تجلس حسنة إبراهيم حسين، ابنة الـ 85 عامًا، وحيدة قرب منزلها، تراقب بلدة يسيطر عليها صمت ثقيل، يقطعه أحيانًا صوت مسيّرة أو هدير طائرة حربية أو تفجير منزل، واقع بات جزءًا من يوميات من عادوا.

في دكان صغير يجلس حسين، أحد أبناء حولا، فتح متجره لمن عاد ولمن يزور البلدة بين الحين والآخر. عن الواقع الاقتصادي يختصر جوابه: «في ثلاثين أو أربعين عائلة، كيف بدو يكون الاقتصاد؟».

حسن، الذي عاد إلى حولا منذ عام، يرى أن الحياة شبه معدومة. الكهرباء تؤمَّن أربع ساعات يوميًا، ساعتين نهارًا وساعتين ليلًا، فيما المياه مقطوعة. يعتمد السكان على تجميع مياه الأمطار في خزانات حفروها منذ زمن، ولولاها «لكانت الحياة أقسى». يترقب حسن حلًا، أو ربما معجزة.

في آخر تصريح لرئيس الحكومة حول قرى جنوب الليطاني، قال إن الدولة بسطت سلطتها للمرة الأولى منذ زمن. لكن لحسن رأي آخر، إذ يسأل: «كيف تبسط الدولة سلطتها والجيش الإسرائيلي ما زال يدخل حولا وغيرها من القرى ويفجر المنازل دون حسيب أو رقيب؟».

في أحد البيوت القديمة التي نجت من الدمار، يجلس أبو صبحي مزرعاني، وقد تجاوز المئة عام. ما زال يزرع أرضه الملاصقة للمنزل. في هذا البيت تحضر حياة القرية بكل تفاصيلها. لا سياسة هنا، بل شعر يحفظه عن ظهر قلب، رغم أنه لم يدخل مدرسة يومًا.

عمل في شبابه في مرفأ حيفا، وعاش مجزرة حولا وكل الحروب التي مرّت. في الحقل، المعول رفيقه. يزرع كل شيء، لأن الزراعة بالنسبة إليه «الروح والقوة، ودونها لا معنى للحياة». يرى أن حولا، رغم الدمار، لم تشخ، لكنها تشتاق لأهلها.

يمضي نهاره في الأرض، ملتزمًا نظامًا صارمًا في حياته، مؤمنًا بأن الزراعة شكل من أشكال المقاومة. يقول: «إذا لم أخرج إلى الحقل يضيق نفسي».

حولا اليوم، كغيرها من القرى الحدودية، تنتظر ساعة الصفر لانطلاق الإعمار وعودة الحياة. فهل تكون هذه الخطوة قريبة؟