حياد لبنان: ليست المعضلة دستورية أو قانونية بل في علم النفس العيادي

إن حياد لبنان في إطار جامعة الدول العربية إقفالاً للبنان الساحة ثم الساحات ليس إطلاقًا قضية دستورية أو قانونية، كما هو متداول في سجالات قانونيين، ولا نقول حقوقيين، بل معضلة متجذّرة في علم النفس العيادي لبنانيًا. إنها تتطلب معالجة في الثقافة السياسية والتأريخ اللبناني العلمي والواقعي والذاكرة والتربية.

إن الواقع الكارثي في لبنان، بعد اتفاقية القاهرة سنة 1969 ثم اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006، وسجالات في حلقات متلفزة استعراضية واجتماعات هو مؤشر لحالة مرضية متراكمة في علم النفس السياسي والعيادي لبنانيًا. في حلقات متلفزة بشأن لبنان والنهوض ينساق خبراء في الاستراتيجيات وعلم السياسة في الكلام عن التحوّلات في إيران وسوريا وإسرائيل ومواقف فرنسا وأميركا...

في اجتماع ضم أكثر من عشرين من العاملين في الشأن العام حول الواقع اللبناني انساق الكلام حول التحوّلات في إيران وسوريا وإسرائيل ومواقف أوروبا وأميركا... وكأن لا معالجات لبنانيًا إلا من الخارج والتحوّلات في الخارجّ! عندما طرحت السؤال: ما هي مسؤولية اللبنانيين؟ بدا وكأن السؤال نابع من كوكب آخر!

1. عقدة الباب العالي ولبنانيين في حالة دائمة في الانتظار: منذ سنوات قال لي أحد سفراء الاتحاد الأوروبي: اللبنانيون هم دائمًا في حالة انتظار! لا يعني ذلك نكران واقع لبنان في جوار عدائي وفي جوار أنظمة في حالات تحوّل ديمقراطي.

تستجدي جهة سياسية في لبنان قوة خارجية للاستقواء في الداخل وتورّط الخارج في الأوحال والرمال اللبنانية! تتوالى بعدئذٍ اغتيالات قيادات لبنانية عريقة عندما تخرج هذه القيادات عن الانصياع لقوى الاحتلال المباشر أو بالوكالة. اللائحة طويلة من كمال جنبلاط وموسى الصدر وبشير الجميل ورينه معوض ورفيق الحريري...! يذكر أحد نواب البقاع خلال الحروب المتعددة الجنسيات في لبنان في السنوات 1975-1990 قوله لعبد الحليم خدام: "لكن نحن حلفاء". كان الجواب: "ليس لدينا حلفاء، بل خونة أو عملاء".

لم تثمر الخبرات المتراكمة في علم النفس التاريخي لبنانيًا في إنتاج صدمة نفسية خلاصية من عقدة الباب العالي وعقدة جماعات مذهبية في استجداء الحماية. يقول الكاتب الروماني Juvenal (127-56):

Quis custodiet Ipsos custodes (Satires VI, 347348).

أي: من يحمينا من حماتنا! ينشد الأرمن في المناسبات الوطنية أغنية تعود إلى سنة 1890 للمجاهدين الأرمن تحتوي على البيتين التاليين: لا يا أخي، لا يا أخي، لا تأمل بالأجنبي. ويحذر Nicolas de Flüe

(1487-1417) السويسريين: "إذا كنتم تريدون أن تبقوا سويسريين شيّدوا سياجًا حول حديقتكم".

2. ما هو العلاج؟ لم يهتم علماء النفس في لبنان بعلم النفس السياسي والعيادي. وعندما يكتبون عن الواقع اللبناني تقتصر كتاباتهم على التذمر والتشكي والوصف بدون الولوج إلى الجذور في علم النفس التاريخي psychohistoire والعيادي وسبل المعالجة كما حصل في العديد من البلدان التي عاشت في تاريخها أزمات داخلية وحروبًا داخلية واحتلالات مباشرة أو بالوكالة.

أما المؤرخون فيعتمدون غالبًا التوثيق والسرد التوثيقي! بدون حدّ أدنى من التوقف حول المفاعيل النفسية في المتلقي بالذات الذي قد يقرأ الماضي في الحاضر وقد يسقط الماضي في حاضره ومستقبله. أما العاملون في التربية المواطنية فإنهم غالبًا ينقلون عموميات سائدة في الأدبيات المواطنية العالمية بدون الولوج في خصوصية الواقع اللبناني ودولنة المواطنية. أوردنا ذلك في وثيقتين صادرتين عن كرسي اليونسكو لدراسة الأديان المقارنة والوساطة والحوار في جامعة القديس يوسف: التربية الموطنية لبنانيًا وتطبيقاتها (2025، 146 ص + 34 ص بالفرنسية) والتربية التاريخية لبنانيًا: الأهداف والخصوصية والتطبيق (2025، 96 ص + 52 ص بالفرنسية). ونذكر كتابنا قيد الإنجاز: علم النفس السياسي والعيادي في علاج لبنان (2025، 128 ص + 242 ص بالفرنسية).

يُستنتج من الاختبار التاريخي ومن الوثائق الدبلوماسية التي نشرها عادل إسماعيل ومنذ القائمقاميتين أن لبنانيين يستدرجون قوة خارجية في سبيل الاستقواء الداخلي أو حماية مزعومة أو مقاومة فئوية فيورطون الخارج في الأوحال والرمال اللبنانية المتحركة ثم ينقلبون عليه!

هذا هو واقع لبنان الحالي حيث لا يريد أحد من الخارج الانغماس في الأوحال اللبنانية والرمال المتحركة. تكمن الخطورة القصوى في الواقع اللبناني الحالي في عدم الانضمام إلى شرعية الدولة وترك الهمجية للعداء الصهيوني في التخريب والذي يعتبر أساسًا أن "لبنان خطأ تاريخي وجغرافي"!

كتب الفلسطينيون المسلحون مجلدات حول كلفة انغماسهم في الأوضاع الداخلية اللبنانية. ويمنّن نظام الأسد "بتضحياته" في لبنان. وكتب الإسرائيليون مجلدات حول كلفة اجتياحهم لبنان سنة 1982. والأميركيون والأوروبيون حذرون من انغماسهم في الرمال اللبنانية بخاصة بعد تفجير المارينز وغيرها من أعمال إرهابية. كلهم تعلموا... إلا اللبنانيون!

على اللبنانيين أن يتدبروا أمورهم الداخلية! انتهت عهود الباب العالي وما يزال لبنانيون يعيشون في ذهنية تاريخية في انتظار باب عال تعلّم من لبنان... ولبنانيون لم يتعلموا!