المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
الخميس 6 آب 2026 11:00:10
لم يكن ردّ رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام على خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم مجرد سجال سياسي عابر، بل شكّل محطة وطنية مفصلية أعادت وضع النقاش اللبناني في مكانه الطبيعي: بين مشروع الدولة ومشروع السلاح الخارج عن سلطتها.
فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يصدر عن رئيس حكومة لبنانية موقف واضح وحاسم يحمّل الجهة التي احتكرت قرار الحرب والسلم مسؤولية الكوارث التي أصابت لبنان، بعيداً عن لغة المسايرة أو التسويات أو المواقف الرمادية التي اعتاد اللبنانيون سماعها.
لقد قال نواف سلام ما يشعر به غالبية اللبنانيين الذين دفعوا أثمان الحروب المتكررة من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أولادهم، عندما أكد أن من أدخل لبنان في "حروب الإسناد" وربطه بمحاور خارجية هو من منح إسرائيل الذريعة لتدمير القرى والمدن وتهجير مئات آلاف اللبنانيين.
إنها ليست مجرد عبارة سياسية، بل توصيف لواقع عاشه اللبنانيون.
السيادة لا تتجزأ... والدولة لا تُختصر بحزب
لقد أعاد رئيس الحكومة التذكير بأبسط مبادئ قيام الدول الحديثة: قرار واحد... جيش واحد... سلطة واحدة.
فلا يمكن لدولة أن تستعيد سيادتها بينما يوجد داخلها من يحتكر قرار الحرب منفرداً، ويقرر متى تُفتح الجبهات ومتى تُغلق، ومتى يدخل لبنان في مواجهة عسكرية لا علاقة للدولة بقرارها.
فالسيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطابات، بل هي احتكار الدولة وحدها لاستخدام القوة وفق الدستور والقانون.
ولا يمكن الجمع بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة في وطن واحد.
التجربة أثبتت الحقيقة المرة
منذ أكثر من عقدين، قيل للبنانيين إن السلاح يحمي لبنان.
لكن ماذا كانت النتيجة؟
حروب متكررة... اقتصاد منهار... عزلة عربية ودولية... استثمارات هربت... شباب هاجر... ومدن وقرى جنوبية دُمّرت مرة بعد أخرى.
والأخطر من ذلك أن الجيش الإسرائيلي عاد ليدخل مناطق كان اللبنانيون يعتقدون أنها أصبحت بمنأى عن الاحتلال والعمليات العسكرية، فعادت مشاهد النزوح والدمار والخوف لتخيم على الجنوب، فيما كان المواطن اللبناني هو الضحية الأولى لكل جولة تصعيد.
إن الوقائع أثبتت أن لبنان لا يستطيع الاستمرار في دفع أثمان قرارات لا تصدر عن مؤسساته الدستورية.
الجيش اللبناني... الضامن الوحيد للسيادة
إن أي دولة محترمة في العالم لا يمكن أن تقوم بوجود أكثر من قوة عسكرية تتخذ قراراتها بصورة مستقلة.
فالجيش اللبناني ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو رمز وحدة اللبنانيين، والجهة الدستورية الوحيدة المخولة الدفاع عن الحدود وحماية الأرض والشعب.
ومن هنا، فإن حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني ليست مطلباً سياسياً لفريق دون آخر، بل هي المدخل الإلزامي لقيام الدولة واستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي.
الكتائب اللبنانية... ثبات في الدفاع عن الدولة
في المقابل، برز موقف حزب الكتائب اللبنانية برئاسة النائب الشيخ سامي الجميل ليشكل امتداداً طبيعياً للموقف الذي عبّر عنه رئيس الحكومة.
فالكتائب، التي جعلت من بناء الدولة والدفاع عن الشرعية عنواناً ثابتاً في خطابها السياسي، أكدت مجدداً أن لبنان لا يمكن أن ينهض إلا من خلال تطبيق الدستور، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية.
ولم يكن هذا الموقف وليد اللحظة، بل يعكس مساراً سياسياً ثابتاً يعتبر أن حماية لبنان لا تكون عبر تعدد مراكز القرار، بل عبر دولة قوية، وجيش قوي، ومؤسسات دستورية فاعلة، بعيداً عن منطق المحاور الإقليمية.
لغة التخوين لم تعد تقنع أحداً
أصاب الرئيس نواف سلام عندما دعا إلى وقف لغة التخوين.
فالوطنية لا تُقاس بحجم السلاح، ولا بعدد الصواريخ، ولا برفع الشعارات.
الوطنية تُقاس بمدى احترام الدستور، وصون مؤسسات الدولة، وحماية المواطنين، والحفاظ على مصالح لبنان العليا.
أما توزيع شهادات الوطنية على اللبنانيين، فقد أثبت فشله طوال العقود الماضية، ولم يؤدِّ إلا إلى مزيد من الانقسام.
لبنان أمام فرصة تاريخية
يقف لبنان اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة بناء دولته.
فانتخاب رئيس للجمهورية، ووجود حكومة تتحدث بلغة السيادة، والدعم العربي والدولي لإعادة النهوض، كلها عناصر لا يجوز التفريط بها.
غير أن نجاح هذه الفرصة يبقى مرتبطاً بشرط أساسي:
أن يصبح قرار الحرب والسلم قراراً لبنانياً صرفاً، يصدر حصراً عن المؤسسات الدستورية، لا عن أي جهة أخرى.
فالدولة التي لا تحتكر قرارها الأمني والعسكري تبقى دولة ناقصة السيادة.
الخلاصة
لقد أعاد الدكتور نواف سلام الاعتبار إلى مفهوم الدولة، ووضع أمام اللبنانيين معادلة واضحة لا تحتمل الالتباس:
لا سيادة بلا دولة.
ولا دولة بلا جيش واحد.
ولا جيش واحد مع وجود سلاح خارج الشرعية.
إن لبنان الذي يستحقه أبناؤه هو لبنان الدستور، والمؤسسات، والجيش، والقضاء، والحرية، لا لبنان الذي تُدار فيه القرارات المصيرية خارج مؤسسات الدولة.
أما المواقف الوطنية التي عبّر عنها رئيس الحكومة، والتي لاقت دعماً من القوى السيادية وفي مقدمها حزب الكتائب اللبنانية برئاسة النائب الشيخ سامي الجميل، فتؤكد أن مشروع الدولة لا يزال حياً، وأن إرادة استعادة السيادة الكاملة لم تمت، مهما اشتدت الضغوط أو تعاظمت التحديات.
ويبقى الرهان على وعي اللبنانيين، وعلى تمسكهم بقيام دولة عادلة وقادرة، يكون فيها السلاح حكراً على الجيش اللبناني، وتكون فيها الكلمة الأخيرة للدستور والشرعية وحدهما، لأن هذا وحده هو الطريق إلى وطن آمن ومستقر يحفظ كرامة جميع أبنائه.