المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الجمعة 4 أيلول 2026 01:10:05
حقق لبنان خرقاً تمثّل في إفراج إسرائيل عن خمسة أسرى. ونجح السفير سيمون كرم في فرض وجهة نظره التي كان يطرحها منذ اليوم الأول لعودته من جولة المفاوضات السابعة في روما. وكان لبنان قد حصل حينها على موافقة على إطلاق سراح أسرى مدنيين، إضافة إلى البحث في مناطق تجريبية جديدة، وهو الأمر الذي عادت إسرائيل ورفضته بشكل كامل.
ولوّح كرم يومها بعدم المشاركة في أية جولة تفاوضية جديدة، وأقنع رئيس الجمهورية بذلك. بعدها، تدخل الأميركيون على قاعدة أنه لا يمكن للبنان الخروج من مسار التفاوض. وهنا تمسّك كرم بتحقيق مكسب، وتشبّث بمطلب الإفراج عن عدد من الأسرى، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تسعى إلى تأمين عقد جولة مفاوضات جديدة.
وهذا ما دفع السفير الأميركي ميشال عيسى إلى الدخول على خط إسرائيل من خلال الزيارة التي أجراها، وتمكّن خلالها من إقناع الإسرائيليين بالإفراج عن الأسرى. ولم يجد نتنياهو سوى تبرير الخطوة بالقول: "إن إطلاق سراح المخطوفين جاء بعد انتهاء التحقيق معهم وعدم ثبوت مشاركتهم في أي عمليات ضد إسرائيل".
الأسرى مدخلٌ لإنقاذ المفاوضات
إذاً، يمرّ إنقاذ المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بالعمل على تحقيق إنجاز معيّن. ووقع الخيار على إفراج إسرائيل عن عدد من الأسرى اللبنانيين المدنيين الذين لا ينتمون إلى حزب الله، وليس لهم أي نشاط عسكري.
وتأتي هذه الخطوة بعد مساعٍ أميركية حثيثة بذلتها واشنطن وسفيرها في بيروت ميشال عيسى، الذي زار تل أبيب والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وعمل عيسى على إقناع الإسرائيليين بتقديم بادرة حسن نية، والإفراج عن عدد من الأسرى لتثبيت موعد المفاوضات وتحقيق إنجاز ملموس.
ومن المفترض أن يستمر التفاوض على إطلاق سراح المزيد من الأسرى، فيما يشترط الإسرائيليون على لبنان كشف مصير عدد من اليهود الذين جرت تصفيتهم في بيروت خلال ثمانينيات القرن الماضي. وتتواصل المفاوضات في هذا الشأن، بالتزامن مع عملية تبادل القوائم.
"المناطق التجريبية" تصطدم بالشروط الإسرائيلية
تأتي هذه الخطوة في ظل تعثّر إحراز أي تقدّم في مسار المناطق التجريبية، ولا سيما أن إسرائيل تواصل توجيه اتهامات إلى الجيش اللبناني بأنه لا يطبّق هذه الخطة ولا يعمل على سحب سلاح الحزب، فيما يعتبر الجيش أن إسرائيل هي التي لا تلتزم، من خلال استمرار اعتداءاتها وعملياتها العسكرية.
يضاف إلى ذلك عدم الاتفاق، حتى الآن، على الدولة التي ستتولى آلية التحقق، خصوصاً أن إسرائيل لم توافق على إسناد هذه المهمة إلى إيطاليا، علماً أن لبنان ينتظر وفداً إيطالياً سيزوره ويجول على المسؤولين.
إشراف أميركي مباشر ومسار نحو «السلام الشامل»
إلى جانب النقاشات بشأن ملف المفاوضات وسبل إحيائها، أصبح واضحاً أن العلاقة بين لبنان وإسرائيل تخضع لإشراف مباشر من السفيرين الأميركيين في بيروت وتل أبيب، ميشال عيسى ومايك هاكابي.
وكان هاكابي قد أصدر بياناً بعد لقائه عيسى، أشار فيه إلى أن المفاوضات التي ترعاها واشنطن بين تل أبيب وبيروت تهدف إلى الوصول إلى اتفاق شامل للسلام والأمن. ويُعدّ ذلك من أوضح التعبيرات عن المسعى الأميركي إلى فرض اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل.
خرقٌ في الأفق المسدود.. وانتظار طويل
يشكّل إطلاق سراح الأسرى خرقاً في الأفق المسدود، لكن المؤكد أن الانتظار سيكون طويلاً، وقد يمتد إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وظهور نتائجها، وما ستفرزه الانتخابات النصفية الأميركية. كما سيبقى المسار متأرجحاً على إيقاع حالة اللاحرب واللاسلم القائمة والمستمرة بين إيران والولايات المتحدة.
وحتى على مستوى التصعيد الإسرائيلي المتواصل، لا توجد أجواء إيجابية توحي بإمكان وقف العمليات العسكرية وأعمال التجريف أو خفض وتيرتها، بحسب ما يبلّغه الأميركيون إلى المسؤولين اللبنانيين، سيبقى هذا التصعيد مضبوطاً، ولن تسمح واشنطن بالعودة إلى حرب واسعة ومفتوحة. لكن في ذات المسار استكمل الإسرائيليون عمليات القضم التدريجي في منطقة علي الطاهر، وسط إصرار من تل أبيب على السيطرة عليها ورفض أي تسوية تتعلق بها ، وفي السياق جاء إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة على أحد الأنفاق في علي الطاهر وهذا يرجح استكمال العملية الإسرائيلية في المنطقة ذاتها.
مؤشر يطرح السؤال عن مصير مقاتلي الحزب المتواجدين في علي الطاهر، وما مصير ما سُرب عن خروج مقاتلين إيرانيين من المنطقة، وهنا تُرجح المصادر أن خروج هؤلاء جاء عبر صفقة عندما استعادت إسرائيل جثمان أحد جنودها في معركة السلطان يعقوب، أو عبر مخرج جغرافي داخل علي الطاهر لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من كشفه وتم من خلاله خروج هؤلاء المقاتلين.
كرم يفرض إيقاع التفاوض.. ونتنياهو إيقاع الحرب
يتكرّس في هذا المسار سعي إسرائيلي مستمر، بدعم أميركي، إلى الفصل بين لبنان وحزب الله، وكذلك الفصل بين مسار التفاوض ومسار التصعيد العسكري ضد الحزب.
فبالتزامن مع الإعلان عن إطلاق سراح الأسرى، كثّف الإسرائيليون عملياتهم العسكرية في الجنوب، ورفعوا مستوى التصعيد، وزادوا عمليات التفجير والتدمير.
عملياً، نجح سيمون كرم، نسبياً، في فرض إيقاعه التفاوضي، فيما يسعى نتنياهو إلى فرض إيقاعه الآخر، من خلال إرضاء الأميركيين من جهة، وتهيئة الأرضية لمزيد من التصعيد في مرحلة لاحقة من جهة أخرى، على أن يبقى الأمر مرتبطاً بالتوقيت.
لكن التهديدات لم تتوقف، والتصريحات تتجدد على لسان نتنياهو بشأن السعي إلى إسقاط النظام الإيراني وإمكان التحرك ضده عسكرياً. وقد تكون هذه التصريحات مرتبطة بالحسابات الانتخابية، لكن، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، سيبقى مؤشر التصعيد قائماً في لبنان وإيران.