المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الخميس 28 أيار 2026 00:16:48
تحرق إسرائيل جنوب لبنان. تريد عزله نهائياً، وهو يجد نفسه متروكاً، بحجره وشجره، أما أهله فيغادرون أو يُقتلون، لكنهم يبتعدون أو يغتربون، في مشروع الإجهاز على الجغرافيا اللبنانية. هكذا يمكن تفسير الإخلاء الكامل الذي طلبته من كل سكان البلدات الجنوبية إلى حدود نهر الزهراني. لم تعد العملية عسكرية فقط، بل فيها الكثير من الانتقام، وأكثر من الأهداف السياسية. تريد إسرائيل القول إنها عزلت منطقة كاملة من لبنان ولم يعد فيها أي سلطة أو سيطرة للدولة اللبنانية، ولا يمكن للدولة أن تعود إليها أو تستعيد سلطتها فيها إلا بناء على الشروط التي تفرضها تل أبيب. قبل الإخلاء وبعده أصبح واضحاً أن القرار الإسرائيلي هو بتوسيع العملية العسكرية وتسريع وتيرتها لقضم أكبر قدر من المساحة في الجنوب والسيطرة عليها وفرض أمر واقع عسكري ستكون له نتائج سياسية لاحقاً. تسريع العملية قد يكون مرتبطاً بأي احتمالات لحصول وقف إطلاق نار بنتيجة ضغط أميركي، في حال الوصول إلى اتفاق مع إيران أو لأي أسباب أخرى، خصوصاً أن الدولة اللبنانية تسعى لوقف النار وليكون ذلك ثمناً للمفاوضات المباشرة العسكرية والسياسية.
مقاطعة جولة 2 حزيران؟
حصلت تل أبيب على ضوء أخضر أميركي لتنفيذ العملية البرية الموسعة في جنوب لبنان، لا يمكن حتى الآن معرفة مداها وعمقها. كما حصلت على ضوء أخضر بتنفيذ أي عملية في بيروت إذا كانت عملية استهداف أو اغتيال لشخصية في حزب الله تعمل أو تخطط أو تنظم لأي هجوم ضد القوات أو المستوطنات الإسرائيلية. من غير المعلوم حتى الآن ما هو المدى الزمني الممنوح لإسرائيل لمواصلة عمليتها، علماً أن وقف النار سيكون مطلباً لبنانياً أساسياً في كل جولات التفاوض عسكرياً أو سياسياً. وبعض الأفكار في لبنان تبحث إمكانية وقف المفاوضات أو مقاطعة جولات التفاوض السياسي يومي 2 و3 حزيران في حال لم تنجح المفاوضات العسكرية يوم غد بتحصيل وقف النار.
ضوء أخضر
ما يسعى الإسرائيليون إلى تحصيله أيضاً هو ضوء أخضر باستهداف موارد أو طرق إمداد أو وسائل يستخدمها حزب الله في صناعة الطائرات المسيرة وتطويرها، وذلك قد يشكل خطراً على المرافق العامة والبنى التحتية التابعة للدولة اللبنانية. كما أنه يمنحهم مجالاً لتنفيذ ضربات في ما يسمونه عمق لبنان، سواء كان ذلك في بيروت أو البقاع.
السيطرة على المرتفعات
ميدانياً، تجاوز الإسرائيليون نهر الليطاني، تقدموا باتجاه زوطر الغربية والشرقية، وعملوا على دفع بعض الآليات المشغلة عن بعد للتقدم باتجاه ميفدون. ميفدون هي بلدة مشرفة على مدينة النبطية، إلى جانبها لجهة الشرق بلدة شوكين، التي أيضاً يريد الإسرائيليون الوصول إليها إذ فيها مرتفع يشرف على النبطية، وجبشيت وقرى عديدة مشرفة على نهر الليطاني لا سيما كفرصير وقعقعية الجسر. أما غرباً فيريدون الاتجاه منها نحو يحمر وأرنون وقلعة الشقيف، فالقلعة هي إحدى أكثر النقاط استراتيجية، وهي مشرفة على مناطق واسعة من الجنوب ومطلة على جبل الريحان وإقليمي التفاح، كما تشرف على طريق الخردلي، وعلى كفرتبنيت وعلي الطاهر. أما الهدف الإسرائيلي الأبعد في هذه المعركة فهو الوصول إلى كفرتبنيت وعلي الطاهر ما يعني الإشراف الكامل على مدينة النبطية.
جنوب الشعراء والعلماء
يركز الإسرائيليون عملياتهم باتجاه أكثر المدن عراقة، صور والنبطية، وإذا كانت مدينة صور تمثل تاريخاً كنعانياً وفينقياً، فهي كما يصفها الشاعر عصام العبد الله بالنسبة إلى جبل عامل ويقول: كان في جبل إسمو جبل عامل.. عم يشتغل عز الضهر.. بين العمر والمرحلة.. بين الصخر والمرجلة.. عم يشتغل عز الضهر.. عطش الجبل.. بيمد إيدو ع البحر.. هَي صور: كف الجبل.. لمّا الجبل عطشان أو مقهور. أما النبطية فهي إحدى أكثر المدن التي لديها رمزية في جبل عامل وبالنسبة إلى الشيعة، بل هي عاصمتهم وهي التي تشتهر فيها مراسم إحياء عاشوراء، وفي ملعبها تجري سنوياً مسرحية تمثيلية تجسد ما حصل في كربلاء. شكلت النبطية عبر التاريخ مركزاً علمياً ودينياً بارزاً للمذهب الشيعي، وبرز فيها علماء دين وأدباء ساهموا في نهضة جبل عامل.
3 مناطق
تريد إسرائيل القضاء على الإرث والحجر والبشر في الجنوب، تريده منطقة مسحوقة وأرض محروقة لا حياة فيها. ما تريده هو اختزاله بحدود جغرافية تحددها الأنهار، أو ترسمها هي على خريطة وتلونها تارة بالأصفر وطوراً بالأحمر. وتريده أن يكون صورة فقط بلا نبض، أو ذكرى أو قصة، أو نسمة تلفح ضفيرة، ولا تريد لأحد أن يركن إلى النهر أو يركض على ضفافه. لذلك هي تقسم الجنوب إلى ثلاث مناطق جغرافية وعسكرية، ترسم حدودها الأنهار، المنطقة الأولى هي حتى نهر الليطاني. والتي من الواضح أنها أطلقت العملية العسكرية البرية للسيطرة عليها. المنطقة الثانية حتى نهر الزهراني والتي شملت الإخلاءات جنوبها بشكل كامل بالأمس. أما المنطقة الثالثة فهي حتى نهر الأولي.
خط الدفاع
في اجتياح العام 1982، كانت عملية إسرائيل تهدف للوصول إلى الأولي لكنها اجتاحت بيروت، والجبل والبقاع وصولاً إلى منطقة السلطان يعقوب. اليوم انطلقت إسرائيل في عمليتها منذ العام 2024 باتجاه الليطاني، لكنها الآن تجاوزته لتصل إلى مشارف النبطية، وإذا كانت المنطقة حتى الليطاني هي خط الدفاع الأول بالنسبة إلى حزب الله، فإن النبطية ومحيطها شرقاً أم غرباً هي منطقة خط الدفاع الثاني. في حال أصرت إسرائيل على كسره، سيتبقى خط الدفاع الثالث للحزب، والذي يمتد من البقاع الغربي، حتى جبل الريحان في أعالي جزين، فإقليم التفاح، وهذه المناطق كلها تلال مرتفعة جداً تشرف على نهر الأولي.
نموذج 1982
تعرف إسرائيل أن الوصول إلى النبطية لن ينهي المقاومة، ولن يقضي على حزب الله، والمسيرات ستنطلق من مناطق أخرى باتجاه القوات، عندها قد تفكر أيضاً بتوسيع العملية نحو خط الدفاع الثالث، وهي في الأساس وجهت إنذارات الإخلاء وكثفت الغارات على قرى جبل الريحان وإقليم التفاح والبقاع الغربي. وصلت الاستهدافات لتطال طريق سد القرعون، بينما التدرج في التوسع الإسرائيلي قد يفتح شهيتهم على تكرار نموذج اجتياح العام 1982 ولو لم يمكن حتى بيروت.
على الحدود السورية
لكن ما بعد النبطية فإن الوضع سيختلف، لأن خط الدفاع الثالث هو عبارة عن جبال مرتفعة جداً، طبيعتها صخرية، وحصانتها طبيعية، ومدياتها مفتوحة على بعضها البعض، وتحتاج القوات التوجه صعوداً إلى مرتفعات عالية يمكن لأي مرابض في هذه المرتفعات أن يستهدفها، ولا يمكن الوصول إليها بسهولة، إلا في حال فتحت إسرائيل محوراً جديداً أو جبهة جديدة من جهة البقاع. في حال قررت إسرائيل خوض هذه المعركة، لا بد لها أن تتقدم من جبل الشيخ باتجاه قضائي حاصبيا وراشيا للوصول إلى مشارف البقاع الغربي وتطويق الجنوب وعزله بالكامل عن البقاع، ولتصبح في مواقع مشرفة على هذه التلال العالية. ذلك سيحتاج إلى تقدم إسرائيل على الحدود اللبنانية السورية، وهي في الأساس تعمل على دمج مناطق في جنوب لبنان وتحديداً في قضاء حاصبيا مع منطاق في جنوب سوريا. لكن ذلك سيشكل خطراً مشتركاً على لبنان وسوريا معاً، وستصبح إسرائيل في مناطق مرتفعة وواسعة مشرفة على دمشق، ولا تبعد عنها إلا مسافة كيلومترات قليلة. في العام 1982 خاض الجيش السوري معركة شرسة في السلطان يعقوب لمنع إسرائيل من التحكم بمفاصل أساسية من تقاطع الطرق بين لبنان وسوريا.
خطر جغرافي وديموغرافي
أي محاولة إسرائيلية للتوسع باتجاه هذه المناطق، لا بد لها أن تدفع جهات وقوى دولية وإقليمية للتدخل وإيقاف هذا المشروع الذي سيشكل خطراً جغرافياً وديمغرافياً على لبنان وسوريا معاً. كما تريد تل أبيب من خلاله إحداث تحول جيوسياسي في المنطقة، في إطار الصراع الذي تخوضه لتغيير وجه المنطقة وتوازناتها وموازينها، وهو ما سيكون له أثره على أي تحالفات في شرق المتوسط. وصول إسرائيل إلى تلك المنطقة سيشكل ضغطاً كبيراً على سوريا، ويفرض وقائع جديدة على لبنان تسعى حينها إسرائيل إلى استغلالها للضغط أكثر على الدولتين اللبنانية والسورية وتعمل على تطويقهما وفرض عليهما ما تريد من معادلات سياسية.
الأنهر حدود اتصال لا انفصال
تلك المنطقة بمعانيها ورمزياتها، بتاريخها وحكايات ناسها، تروي الكثير مما لا نعرفه، وجزء منه اختصرته الكاتبة اللبنانية بادية فحص عن دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى زوطر، وتدمير منزل جدها، إذ تقول:" أيام الاحتلال الفرنسي كان جدي يقاتل مع جماعة أدهم خنجر، وكان موكل بمهمة تهريب السلاح بالليالي لجهة القاطع... أهل الجنوب بيسموا الجهة التانية من النهر "القاطع"... كانت ستي تشتغل معهن كمان، تخبي السلاح تحت دنوك الدخان ووقت يعطوها الاشارة تحمّلن على البغال وتنزل فيهن على النهر... بعد ما اكتشف العسكر الفرنسي عمليات التهريب، لجأ جدي إلى السويداء عند سلطان باشا الأطرش وصار من رجاله. هناك، أو هنا، تضيع الحدود أو الخطوط، أو القواطع، وتصبح الأنهر حدود اتصال لا انفصال، ليس على مستوى لبنان أو جنوبه فقط، بل امتداداً نحو سوريا، حيث التهديد وجودي للبلدين.