المصدر: إرم نيوز
السبت 17 كانون الثاني 2026 10:34:57
تفيد تقارير جديدة أن واشنطن باتت تتعامل مع سيناريو الحرب على إيران كعملية "مضبوطة الإيقاع" لا كحرب مفتوحة، عبر مرحلة أولى تُدار بأدوات سيبرانية واستخبارية لشلّ قدرة النظام على السيطرة والرد، تليها مرحلة ثانية بضربات عسكرية مركّزة على مفاصل القوة (الصواريخ الباليستية، مراكز الحرس الثوري والباسيج، ودوائر قيادة منتقاة)، بهدف فتح نافذة انتقال سياسي "من داخل النظام" بدل إسقاطه دفعة واحدة بما يهدد بانهيار شامل يزعزع الإقليم.
هذه المقاربة، وفق تقديرات مراكز بحثية غربية، تعكس تحولاً في فلسفة الضغط الذي لن يكون إسقاطاً عشوائياً، بل "تغيير مُدار" يمنع الفوضى وينتج قيادة يمكن التفاهم معها، خاصةً مع مخاوف إقليمية وأوروبية من أن يؤدي سقوط مفاجئ إلى انفلات أمني، نزوح واسع، أو صدام داخلي طويل في دولة بحجم إيران.
شلل سيبراني وضربات لـ"قطع الأعصاب"
رغم أن واشنطن لا تعلن رسمياً عن "خطة المرحلتين"، إلا أن أدبيات الحرب الحديثة التي تعتمدها الولايات المتحدة وإسرائيل تضع الهجوم السيبراني في مقدمة أدوات كسر التماسك الداخلي، عبر تعطيل الاتصالات الحساسة، التشويش على منظومات القيادة والسيطرة، وإرباك مسارات القرار قبل أي ضربة صلبة.
في المرحلة الثانية، تتحدث تقديرات بحثية عن أن التركيز سيكون على قلب المعادلة الإيرانية، من خلال تقليص القدرة الصاروخية، وضرب بنى الحرس الثوري التي تمسك بالاقتصاد والأمن، وفتح ثغرات داخل الحلقة الضيقة عبر عمليات دقيقة قد تشمل "شلّ قيادات" لا تدمير الدولة نفسها.
وفي هذا السياق، تتكرر في النقاش الأمريكي - الإسرائيلي فكرة أن أي تغيير حقيقي يتطلب "إضعاف الحرس" بوصفه رافعة بقاء النظام أكثر من كونه مجرد قوة عسكرية.
بعض التحليلات الغربية ربطت هذا الاتجاه بإيمان تيار داخل واشنطن بأن النظام الإيراني يترنح اقتصادياً واجتماعياً، وأن دفعه "خطوة إضافية" قد يطلق تصدعاً داخلياً ينتج انتقالاً تحت السيطرة بدلاً من حرب شاملة.
تغيير من الداخل لا رضا بهلوي
تفيد التقارير بأن الولايات المتحدة لا تضع رضا بهلوي في حساباتها لتنفيذ التغيير في إيران، والسبب الأول في ذلك هو الشرعية والقدرة على الإمساك بالدولة. فعودة شخصية من المنفى لقيادة انتقال في بلد معقّد مثل إيران يُنظر إليها غربياً كخيار محفوف بالمخاطر، خاصةً مع هشاشة المعارضة وتعددها، ووجود مؤسسات أمنية وعسكرية لا يمكن تجاوزها بكلمة سياسية.
ومنذ أيام، شكّك الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقدرة رضا بهلوي على حشد الدعم داخل إيران، رغم وصفه له بأنه "شخص لطيف"، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن، في لحظة ضغط قصوى، لا تريد ربط مشروعها السياسي برمزٍ خلافي قد يضاعف الانقسام بدل توحيده.
كما أشارت "الغارديان" إلى أن الاحتجاجات المتنامية لا تعني تلقائياً قبولاً بعودة الملكية، وأن الخطاب الشعبي يميل إلى رفض الفساد والقمع أكثر من البحث عن "شكل حكم" جاهز.
أما السبب الثاني فيتصل بالحسابات الإقليمية، من منطلق أن أي تغيير يُنظر إليه باعتباره "مفروضاً من الخارج" قد يمنح طهران ذريعة لتخوين الحركة الاحتجاجية وتحويلها إلى "مؤامرة"، وهو ما يُضعف فرص انفكاك حقيقي داخل مؤسسات الدولة. هذا المنطق ذاته يظهر في قراءات تتحدث عن أن إسرائيل تتجنب الظهور كطرف مباشر في لحظة الاضطراب الداخلي، حتى لا تمنح النظام وقوداً دعائياً ضد الشارع.
أما السبب الثالث فيتعلق بالتكلفة والفوضى. لأن واشنطن تريد مخرجاً ينتج شريكاً قابلاً للتفاوض سريعاً على النووي والصواريخ وسلوك إيران الإقليمي، لا دولة تنهار وتتحول إلى صراع طويل يستنزف المنطقة.
المرشحون من داخل النظام
مصادر غربية تتقاطع عند قاعدة واحدة مفادها أن واشنطن لا تبحث عن "قديس"، بل عن تيار داخل النظام يمكنه ضمان انتقال وظيفي يحقق ثلاثة شروط؛ ضبط الأمن، تقليص دور الحرس الثوري، وإعادة إدخال إيران في مسار تفاوضي.
ضمن هذا الإطار، تُطرح أسماء محتملة أو "تيارات" أكثر من طرحها كأفراد محسومين، أبرزها تيار تكنوقراطي/براغماتي ارتبط تاريخياً بإدارة الدولة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، مثل شخصيات من مدرسة "إدارة الأزمة" التي مثّلها سابقاً مسؤولون مثل محمد جواد ظريف (حتى لو لم يكن جزءاً من القيادة الأمنية).
وتُظهر قراءة بحثية منشورة في معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكي "FPRI" أن مرحلة ما بعد حرب يونيو/ جزيران 2025 "حرب الـ 12 يوماً" خلقت داخل النظام نقاشاً حول "تحول نموذجي" نحو إصلاحات داخلية وتفاوض لتقليل النزيف.
كما يجري طرح أسماء شخصيات من مؤسسات الدولة التقليدية (الجيش والبيروقراطية)، وهنا تبرز أهمية فكرة "الانتقال من الحرس الثوري إلى الجيش" التي تُطرح في سيناريوهات الانتقال، لأن الجيش أقل تورطاً في الاقتصاد وأقل ارتباطاً بمشروع "التوسع الإقليمي" مقارنة بالحرس.
الخيار الثالث في هذا السياق يتعلق بحلقة انتقال محافظة لكن غير أيديولوجية بالكامل، من قبيل شخصيات قادرة على التفاهم مع الخارج مع الحفاظ على قدر من "تماسك الدولة" كي لا تسقط إيران في فراغ. وهذا يشمل أطرافاً قد لا توصف "إصلاحية" لكنها براغماتية في لحظة الخطر.
لكن حتى هذه الأسماء تبقى رهينة معضلة مركزية، فالحرس الثوري ليس مجرد جناح مسلح، بل لاعب سياسي واقتصادي قد يقاوم أي مسار ينتزع نفوذه. ويرى تقدير لمشروع التهديدات الحرجة، وهو مبادرة من معهد "أمريكان إنتربرايز"، أن مرحلة ما بعد خامنئي قد تمنح الحرس دوراً أكبر، وأن الزعيم الأعلى اللاحق قد يكون أضعف في ضبطه.
نافذة موجودة.. لكن الثمن مرتفع
وفقاً للتقارير، فإن فرص نجاح "التغيير من الداخل" ترتفع عندما تجتمع ثلاثة عناصر: الضغط الخارجي الفعّال، انقسام في النخبة، وغضب شعبي مستمر. لكن الخطر أن يتحول الضغط العسكري إلى عامل توحيد للنظام بدل تفكيكه.
في المقابل، يراهن بعض صقور واشنطن على أن النظام يعيش لحظة هشاشة وأن ضربة محسوبة قد تسرّع الانهيار أو تفرض انتقالاً داخلياً، وهو خطاب حاضر في أدبيات بعض مراكز الضغط الأمريكية المعروفة بتشددها تجاه طهران.
تخلص تقارير المراكز البحثية إلى أن "خطة المرحلتين" قد تكون مقامرة عالية، وأن نجاحها يعتمد على دقة الضربات، وعلى ظهور كتلة داخل النظام تقبل بإعادة هندسة الحكم وتقديم تنازلات كبرى، من دون أن تنزلق إيران إلى فوضى واسعة لا يريدها الإقليم ولا أوروبا ولا حتى واشنطن.