"خطيئة" متعددة الجوانب.. فشل حكومي في تبرير الضرائب!

تمخضت جلسة الإثنين الوزارية عن "توأمين" سيادي ومعيشي، شتان ما بين ملامحهما؛ مولودٌ أوّل تمثل في تحديد مهلة خطة الجيش اللبناني شمال الليطاني، حيث أراحت اللبنانيين وبشرت باستكمال نهاية زمن "الدويلة" لصالح الدولة، فنالت مباركة المجتمع الدولي. ومولودٌ ثان جاء "مشوّهًا" بجينات ضريبية، أثقلت كاهل الناس، لتتحول الجلسة في نظر المواطن من بارقة أمل سيادية إلى انتكاسة معيشية، ونقمة شعبية تطرق أبواب السراي.

في هذا السياق، يقول مصدر سياسي لـ "نداء الوطن" إن الحكومة منحت خصومها، من حيث تدري أو لا تدري، فرصة ثمينة للتصويب عليها، تزامنًا مع الموسم الانتخابي، الذي يرتفع فيه منسوب المزايدات من دون الحاجة إلى ذريعة، فكم بالحري إذا توفرت الأسباب الموجبة، عندها تصبح السلطة التنفيذية في مرمى النيران، من كل حدب وصوب، ولا سيما من قبل القوى السياسية المسؤولة عن الانهيار الكبير، والتي تحاول رمي وزر تبعاته ونتائجه على كاهل حكومة نوّاف سلام. والمفارقة هنا، أن من "ركب قطار السلطة" لعقود وأمعن فيها هدرًا وفسادًا، بات يرتدي ثوب الواعظ ويحاضر اليوم في العفة وحسن الإدارة وترشيد الحكم.

"خطيئة" متعددة الجوانب

وعلى قاعدة "جنت على نفسها براقش"، يرى خبير اقتصادي أن الحكومة ارتكبت من خلال المقررات الضرائبية الظالمة، خطيئة متعددة الجوانب:

من حيث الشكل، استعادت نهجًا خاطئًا ومرفوضًا؛ إذ ليس من المنطق في شيء أن تَعكف الحكومة لأشهرٍ على دراسة مشروع موازنة 2026 وإحالته إلى البرلمان، ثم ما إن يجفّ حبر نشرها في الجريدة الرسمية، حتى تبادر إلى إقرار مشروعٍ يقضي برفع سقف الإنفاق بنحو 800 مليون دولار، ويزيد الإيرادات بالنسبة ذاتها، وهذا الرقم يمثل نحو 20 % من حجم الموازنة.

المفارقة الثانية، تكمن في اعتماد مبدأ التخصيص في المشروع، في حين أن الأصل يقتضي ألا يُربط الإنفاق بإيرادات مخصصة لمشروع بعينه. فمن غير الجائز وضع الناس في مواجهة بعضهم البعض؛ وكأن الحكومة تقول للمواطنين: "عليكم دفع 300 ألف ليرة، إضافة إلى الضريبة على القيمة المضافة (TVA) عن كل صفيحة بنزين، لتمويل زيادة رواتب موظفي القطاع العام". إن هذا الأسلوب لا يمت إلى شِيَم رجال الدولة بصلة، وغير معمول به في أي دولة؛ فالدول عادة تعزز إيراداتها ثم تقرر أوجه الإنفاق، من دون أن تربط إيرادًا معينًا بنفقة محددة.

أما من حيث المضمون، فيشدد الخبير الاقتصادي على أنه لا يجوز للحكومة استسهال الجباية من جيوب المواطنين، أغنياء وفقراء، عبر فرض ضرائب غير مباشرة تطال الجميع، عوضًا عن التوجه نحو تفعيل الضرائب المباشرة عبر مكافحة التهرّب الضريبي. إن الضرائب غير المباشرة، ومنها الضريبة على المحروقات، تستهدف الفقراء قبل الميسورين وتستنزف الاقتصاد الشرعي، وفي المقابل تمنح "الاقتصاد الأسود" مساحة إضافية للنمو والاستمرار؛ وهذا ما يُعدُّ خطيئة اقتصادية جسيمة.

بالعودة إلى سياق الجلسة الحكومية، أفادت معلومات خاصة بـ "نداء الوطن"، بأن عددًا من الوزراء أبدوا استياءهم مما اعتبروه خديعة تعرضوا لها. وفي التفاصيل، أن وزراء كانوا قد اتفقوا مع رئيس الحكومة نوّاف سلام، على إخضاع الزيادات لمزيد من الدراسة، وتم التوافق على التأجيل، وعلى هذا الأساس غادر عدد منهم الجلسة لارتباطهم بمواعيد، لكن رئيس الحكومة ووزير المال طرحا ملف الزيادات وتم إقراره، مما دفع الوزراء إلى الاعتراض على ما تم إقراره، كما أن الوزراء الذين غادروا اعتبروا أن ما حصل هو مزيج بين الخديعة والكمين.

محاولة تلطيف واعتراضات مقابلة

في الإطار الضرائبي، حاول رئيس الحكومة، نواف سلام، تهدئة الشارع الذي تحرّك لليوم الثاني على التوالي قاطعًا الطرقات في مناطق عدة. وأكّد خلال زيارته إلى طرابلس أمس، أحقية موظفي القطاع العام والعسكريين في الحصول على الزيادات المتأخرة لتحقيق "راتب مقبول". وأوضح أن الحكومة تسعى لتأمين كلفة هذه الإجراءات، البالغة نحو 800 مليون دولار، عبر: تحسين جباية الضرائب والجمارك (التي ارتفعت بنسبة 150 %)، تحصيل إشغالات الأملاك البحرية والنهرية، وزيادة ضريبة القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1 % فقط. وشدد سلام على أن هذه الزيادة لن تطال ذوي الدخل المحدود، لكون قطاعات التعليم والصحة والمواد الأساسية معفاة منها. إلى ذلك، أقرّ سلام بصعوبة قرار رفع أسعار البنزين، مشيرًا في المقابل إلى إلغاء الزيادات على المازوت دعمًا لسكان المناطق الجبلية والقطاع الصناعي.

بدوره، تطرّق وزير المال ياسين جابر إلى كواليس القرار المالي، لافتًا إلى أن منح الزيادات للقطاع العام دون تأمين موارد كان سيؤدي إلى أزمة نقدية وانهيار التوازن المالي. وأوضح في مؤتمر صحافي أن تكلفة الرواتب تلتهم أكثر من 50 % من الموازنة. وأضاف أنه للمرة الأولى، بدأت الدولة بتحصيل رسوم من الكسارات، كما تمت إحالة 200 شركة إلى النيابة العامة بتهمة التهرب الضريبي، مع تفعيل القانون رقم 44 لمكافحة تبييض الأموال. ونفى جابر مقولة "الأخذ باليمين ما أُعطي باليسار"، موضحًا أن الموظفين يتقاضون في الأصل تقديمات عينية (كصفائح البنزين) من الخزينة".

في المقابل، برزت أمس موجة اعتراضات سياسية حادة، تصدرتها المكونات الرئيسية للحكومة، وفي مقدمها حزب "القوات اللبنانية"، حيث اعتبر نائب رئيس الحزب، النائب جورج عدوان في تصريح في المجلس النيابي أن القرار له "انعكاسات سلبية على الناس، وكأن الحكومة أعطت بيد وأخذت باليدين". ولفت إلى أن وزراء "القوات" عارضوا بشدة هذا القرار وطالبوا بتأجيله لدراسته أكثر". ودعا الحكومة إلى "إعادة النظر في هذه الزيادة ودراسة الإيرادات والجبايات المتأخرة لتأمين التمويل دون تحميل الناس أعباء إضافية". من جهته، رفض رئيس حزب "الكتائب" النائب سامي الجميّل "الضرائب لتمويل زيادات على رواتب القطاع العام قبل القيام بإصلاح فعلي وشامل لهذا القطاع وتنقيته من الوظائف الوهمية وإعادة هيكلته على أسس الكفاءة والشفافية"، مضيفًا "تؤكد كتلة نواب الكتائب أنها ستصوّت ضد أي زيادات ضريبية من هذا النوع في مجلس النواب".