المصدر: إرم نيوز
الجمعة 18 أيلول 2026 13:32:56
كشفت مصادر خاصة لـ"إرم نيوز"، عن خلاف أمريكي فرنسي بدأ يظهر خلف النقاشات الدولية المتعلقة باليوم التالي لانتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل".
ولا يتعلق الخلاف فقط بهوية القوات التي يمكن أن تحل مكانها، وإنما بالجغرافيا التي ستعمل فيها، وما إذا كانت مهمتها ستقتصر على مواكبة الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، أم ستتحول إلى جزء من آلية أوسع للتحقق من نزع سلاح ميليشيا "حزب الله" يمكن أن تمتد، لاحقاً، إلى شمال النهر.
وقالت مصادر سياسية لبنانية، إن الولايات المتحدة أبلغت الأطراف المعنية بأن أي بعثة دولية جديدة يجب أن ترتبط بآلية التحقق من حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح "حزب الله"، وألا تكون مجرد نسخة مصغرة من "اليونيفيل"، فيما تتمسك فرنسا ولبنان، حتى الآن، بأن يتركز انتشار أي قوة جديدة جنوب الليطاني، خاصة في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
وبيّنت لـ"إرم نيوز"، أن فرنسا وإيطاليا تعملان بالتوازي على بلورة عدة خيارات، بينها تشكيل بعثة عسكرية متعددة الجنسيات لمواكبة الجيش اللبناني، أو إنشاء صيغة دولية جديدة تتولّى بعض الوظائف التي كانت تنفذها "اليونيفيل"، لكن بيروت تتعامل مع هذه التصورات باعتبارها غير نهائية، وتنسق على أعلى المستويات مع واشنطن قبل الاتفاق على أي صيغة.
عقدة شمال الليطاني
وأشارت المصادر إلى أن إحدى نقاط الخلاف الأكثر حساسية تتعلق بشمال الليطاني، إذ لا تريد باريس وبيروت، في المرحلة الحالية، توسيع النطاق الجغرافي للقوة المقترحة إلى تلك المنطقة، وتفضلان ربط مهمتها بالجنوب، والانتشار التدريجي للجيش في المناطق التي تُخليها إسرائيل.
في المقابل، ترى واشنطن، وفق المصادر، أن إنشاء بعثة دولية جديدة دون ربطها بعملية التحقق من نزع السلاح سيعيد إنتاج جزء من المشكلة التي واجهتها "اليونيفيل"، ولذلك تدفع نحو صيغة تسمح باستخدام الآلية في مراحل لاحقة من عملية حصر السلاح، بما فيها شمال الليطاني إذا انتقلت خطة الدولة اللبنانية إلى تلك المرحلة.
يأتي الكشف عن هذه التطورات، بعد اجتماع احتضنته العاصمة الفرنسية باريس، يوم أمس الخميس، جمع مسؤولين وقادة عسكريين عرباً وأوروبيين لبحث احتياجات الجيش اللبناني والترتيبات المطلوبة بعد انتهاء العمليات الاعتيادية لـ"اليونيفيل".
وكشفت وكالة "رويترز"، بدورها، أن النقاشات تتناول خيار بعثة دولية تدعمها فرنسا وإيطاليا، وتعمل خارج الإطار التقليدي للأمم المتحدة، إلى جانب خيار بعثة أوروبية، على أن تشمل مهامها: التدريب، والتجهيز، وتبادل المعلومات، وتقديم المشورة للجيش اللبناني. كما شارك مسؤول عسكري أمريكي رفيع في اجتماعات باريس.
قوة دعم أم قوة تحقق؟
لكن ملف "التحقق" سبق اجتماع باريس، وأصبح أحد أكثر أجزاء المفاوضات حساسية. ففي شهر أغسطس/آب الماضي، أفادت "رويترز" بأن المحادثات الأمريكية بين لبنان وإسرائيل تناولت إنشاء آلية تضم أطرافاً دولية للتحقق من عملية نزع سلاح "حزب الله"، وجرى تداول أسماء بريطانيا، وإيطاليا، وسويسرا، وإندونيسيا، كدول محتملة للمساهمة فيها.
ولاحقاً، نفى مسؤول لبناني التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن قائمة الدول، مؤكداً استمرار التفاوض مع واشنطن، بينما قالت الخارجية الأمريكية إن مباحثات روما تناولت بالفعل "تحقق طرف ثالث" من عمليات الجيش اللبناني.
وتكشف هذه المفاوضات الفارق بين التصورين المطروحين حالياً، المتمثلين في: بعثة أوروبية وظيفتها الأساسية دعم الجيش، وآلية تريد واشنطن أن تكون قادرة أيضاً على التحقق من النتائج التي يحققها الجيش على الأرض.
وتزداد المسألة تعقيداً مع الموقف الإسرائيلي. فقد أظهرت تقارير حديثة أن إسرائيل تعارض إنشاء قوة كبيرة تعيد إنتاج "اليونيفيل"، وتفضل ترتيبات أمنية أكثر ارتباطاً بالجيش اللبناني وآليات التحقق.
كما سبق أن أبدت الولايات المتحدة وإسرائيل تحفظاً على مشاركة فرنسا نفسها في آلية التحقق، وهو ما يجعل باريس لاعباً أساساً في ترتيبات ما بعد "اليونيفيل"، لكن ليس بالضرورة وفق التصور الأمريكي الإسرائيلي.
معركة على وظيفة القوة
وتدعم المواقف الفرنسية المعلنة وجود هذا التباين في المقاربات. فباريس وروما أعلنتا بالفعل العمل على إنشاء ائتلاف دولي يمنع حدوث فراغ بعد "اليونيفيل".
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الهدف هو دعم الجيش ليصبح صاحب الحق الحصري بحمل السلاح، بما يستلزم نزع سلاح حزب الله، لكنه ترك طبيعة التفويض والصيغة الدولية للقوة مفتوحة للنقاش.
كما قال مندوب فرنسا لدى الأمم المتحدة هذا الشهر إن الخيارات قد تشمل قوة جديدة، أو ائتلافاً فرنسياً إيطالياً، أو بعثة أوروبية، مؤكداً أن الهدف النهائي هو استعادة سيادة الدولة اللبنانية، وحصرية السلاح بيد قواتها المسلحة.
أصعب ملفات التفاوض
ورأى الباحث السياسي مازن بلال، أن الخلاف يتجاوز التفاصيل التقنية المتعلقة بشكل القوة الجديدة، ويعكس اختلافاً حول وظيفة الوجود الدولي في لبنان بعد "اليونيفيل".
وأوضح لـ"إرم نيوز"، أن "المقاربة الفرنسية تنطلق أساساً من منع الفراغ جنوب الليطاني ومساعدة الجيش على تثبيت انتشاره بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي، بينما تريد واشنطن ربط أي وجود دولي بالمسار السياسي والأمني الأشمل المتعلق بحصرية السلاح".
ولفت الباحث بلال، إلى أن الانتقال شمال الليطاني سيغيّر طبيعة المهمة جذرياً، "لأن القوة عندها لن تكون مجرد آلية استقرار حدودية، وإنما ستصبح جزءاً من عملية داخلية شديدة الحساسية تتعلق بسلاح حزب الله"، معتبراً أن حسم هذه النقطة سيكون أحد أصعب ملفات التفاوض حول شكل القوة المقبلة.
وختامًا، قد لا يكون السؤال الذي سيحدد مستقبل جنوب لبنان هو من سيحل مكان "اليونيفيل" بقدر ما سيكون: أين ستقف القوة الجديدة، وأين تنتهي صلاحياتها؟ فالخلاف على بضعة كيلومترات شمال نهر الليطاني يخفي خلفه خلافاً أكبر على ما إذا كان الوجود الدولي المقبل سيبقى حارساً للحدود، أم يتحول إلى عين دولية على عملية نزع سلاح "حزب الله" في لبنان كله.