خلف كواليس المفاوضات مع واشنطن.. هل تخطط طهران لإعادة بناء قدرات حزب الله؟

أثارت إصابة جندي احتياط إسرائيلي بجروح خطيرة خلال اشتباك مع أحد عناصر حزب الله في بلدة بنت جبيل جنوبي لبنان موجة انتقادات داخل الأوساط الإسرائيلية، بعدما طُرحت تساؤلات حول أسباب تأخر الجيش في استهداف بنى تحتية قال إنها كانت معروفة مسبقًا.

وبينما يرى محللون إسرائيليون أن هذا الحذر يرتبط بعدم رغبة تل أبيب في إرباك المفاوضات الأميركية الإيرانية، تشير تقديرات أخرى إلى أن طهران تستغل الهدوء النسبي لإعادة ترتيب أوراق حزب الله وتعزيز قدراته التنظيمية، بما قد يفرض واقعًا أمنيًا جديدًا على الحدود الشمالية.

تحول مقلق
وقال تقرير لصحيفة "معاريف" إن حادث بنت جبيل يكشف تحولًا مقلقًا في إدارة المواجهة مع حزب الله، متسائلًا عن سبب انتظار الجيش الإسرائيلي إصابة أحد جنوده قبل مهاجمة مواقع قال إنها كانت تُستخدم في الإعداد لهجمات ضد القوات الإسرائيلية.

وأضاف التقرير أن رد الجيش، الذي اقتصر على قصف 10 أهداف في محيط منطقة الاشتباك، يعكس حالة من الحذر المفرط، معتبرًا أن إسرائيل عادت إلى نهج ما قبل هجوم 7 أكتوبر، حين كانت تتجنب توسيع المواجهة رغم توافر مؤشرات على وجود تهديدات ميدانية، وفق تقديره.

وبحسب التقرير، فإن القيادة الإسرائيلية تبدو وكأنها "تسير على قشر البيض"، متجنبة استفزاز إيران أو الولايات المتحدة أو حتى حزب الله، في وقت قد يؤدي فيه أي تصعيد إلى تقويض مسار التفاوض الجاري بين واشنطن وطهران بشأن الملف النووي الإيراني.

حرب بقاء
وتتقاطع هذه القراءة مع ما عرضه باروخ يديد، المحلل المختص بالشؤون العربية، الذي أكد أن حزب الله يخوض حاليًا "حرب بقاء" بدعم مباشر من إيران، في إطار استراتيجية إيرانية تعتبر الساحة اللبنانية أولوية خلال المرحلة الحالية.

وأشار إلى أن الحزب بدأ عملية إعادة هيكلة واسعة شملت تعيين قادة جدد بدلًا من الذين قُتلوا، مع إبقاء هوياتهم سرية خشية استهدافهم، إلى جانب تشديد الإجراءات الأمنية، وتقليص المقرات القيادية، وإجراء تحقيقات داخلية لمعالجة الإخفاقات الاستخباراتية التي تعرض لها خلال المواجهات الأخيرة.

ويعكس هذا المسار، وفق التقديرات الإسرائيلية، محاولة إيرانية لاستثمار فترة التهدئة النسبية في إعادة بناء أحد أهم أذرعها الإقليمية، استعدادًا لأي تطورات مستقبلية.

انتقادات داخلية
في السياق ذاته، وجه ران برتس، في صحيفة "ماكور ريشون"، انتقادات حادة للسياسة الإسرائيلية، معتبرًا أن الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن "الرد بقوة" لا ينسجم مع الواقع الميداني في لبنان.

ويرى برتس أن الحكومة الإسرائيلية باتت مقيدة إلى حد كبير بالاعتبارات الأميركية، وأن الحديث عن منح الجيش اللبناني مسؤولية ضبط الجنوب اللبناني يتجاهل، من وجهة نظره، النفوذ الواسع الذي يتمتع به حزب الله داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.

وحذر برتس من أن أي ترتيبات أمنية لا تعالج هذه الحقيقة قد تمنح الحزب فرصة لاستعادة قوته تدريجيًا.

وفي ضوء هذه القراءات، تبدو حادثة بنت جبيل، في نظر عدد من المحللين الإسرائيليين، أكثر من مجرد اشتباك حدودي؛ إذ تعكس معضلة تواجه صانع القرار الإسرائيلي بين الحفاظ على الردع العسكري وعدم الإضرار بمسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية.

وفي المقابل، ترى هذه التقديرات أن إيران تستثمر عامل الوقت لإعادة تنظيم حزب الله، بما قد يجعل أي هدوء على الجبهة اللبنانية مرحلة انتقالية تسبق جولة جديدة من التحديات الأمنية، إذا لم تُحسم التوازنات السياسية والعسكرية التي تحكم المشهد الإقليمي.