داغر: الرئيس الجميّل لم يقدّم أي تنازل وأدعو للحظة تجلٍّ وطنية يُعاد فيها الاعتراف بأنّ اتفاق 17 أيار كان أفضل ما كان متاحاً للبنان

بعد 43 عاماً على اتفاق 17 أيار "المثير للجدل"، عاد هذا الاتفاق إلى واجهة النقاش السياسي في لبنان، على وقع المرحلة الأكثر تعقيداً في حياة لبنان واللبنانيين، بالنظر للمخاطر الكبيرة التي تتهدد البلاد أمنياً وسياسياً جراء الحرب الإسرائيلية المدمرة، والخيار الذي ذهبت إليه الدولة للتفاوض المباشر مع إسرائيل، رغم رفض "حزب الله" المطلق لهذا التفاوض وعدم اعترافه بنتائجه أياً كانت.

أثار اتفاق 17 أيار، الذي وُقّع عام 1983 بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف العام 1982، انقساماً غير مسبوق في تاريخ لبنان، علماً أنه نصّ بوضوح على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية مقابل ترتيبات أمنية متبادلة، قبل أن يُسقط لاحقاً تحت ضغط الاعتراضات الداخلية بأمر من سلطة الوصاية السورية.

وفي هذا السياق، اعتبر المعاون السياسي لرئيس حزب الكتائب اللبنانية سيرج داغر، في حديث لـ"ليبانون ديبايت"، أنّ "أكبر عملية غشّ وتشويه وظُلم تعرّض لها الرئيس أمين الجميل كانت فيما يتعلّق باتفاق 17 أيار"، مشيراً إلى أنّ كثيرين ممّن عارضوا الاتفاق "شيطنوه وقدّموه للرأي العام على أنّه اتفاق سلام وتطبيع مع إسرائيل وأنه يتضمّن تنازلات سيادية، فيما الحقيقة معاكسة تماماً"، مشيراً الى أنه يُفضّل توصيف الاتفاق باسمه الحقيقي، أي "اتفاقية انسحاب إسرائيل من لبنان"، موضحاً أنّ الاتفاق "كان يهدف في ذلك الوقت إلى تأمين انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، حين كانت القوات الإسرائيلية موجودة في بيروت نفسها، وليس فقط في الجنوب".

وشدّد داغر على أنّ "الاتفاق لم يتضمّن أي تنازل عن السيادة اللبنانية، بل على العكس تماماً"، معتبراً أنّ "كل الاتفاقات التي أُبرمت لاحقاً، بما فيها تفاهمات وقف إطلاق النار في مراحل مختلفة، كانت أدنى بكثير من حيث السقف السياسي والسيادي من اتفاق 17 أيار". وأضاف أنّ "الاتفاقات التي وافق عليها لاحقاً حزب الله والرئيس نبيه بري وغيرهما، أعطت إسرائيل عملياً حق استهداف أي جهة تعتبرها تهديداً لها، كما فتحت الباب أمام تدخّلها في مسائل داخلية لبنانية مرتبطة بسلاح حزب الله وآلية التعامل معه"، لافتاً إلى أنّه "رغم تأييده لنزع هذا السلاح، فإنّ المقصود هنا هو حجم التدخّل الذي سمحت به تلك الاتفاقات، مقارنة باتفاق 17 أيار".

تُعتبر الظروف التي أحاطت بـ اتفاق 17 أيار عام 1983 "أكثر تعقيداً من الظروف الحالية"، وفي هذا الإطار يوضح داغر "أنّ الفصائل الفلسطينية المسلّحة كانت موجودة عسكرياً في لبنان، والجيش الإسرائيلي كان منتشراً في بيروت، فيما كان الجيش السوري موجوداً أيضاً على الأراضي اللبناني". وأكد أنّ الرئيس أمين الجميل "لم يقدّم أي تنازل لا لإسرائيل ولا للفلسطينيين ولا لسوريا، بل كان يسعى إلى اتفاق يضمن انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، لا أن يكون الاتفاق "اتفاق سلام أو تطبيع". وتابع: "عندما حاولت إسرائيل ربط انسحابها أو أي مسار تطبيعي بانسحاب الجيش السوري من لبنان، وهو أمر لم يكن بيد الرئيس الجميل، رفض الأخير التوقيع على الاتفاق. ورأى المعاون السياسي لرئيس حزب الكتائب، أنّ "الوقت قد يكون مناسباً اليوم لكي يعتذر كل الذين عارضوا الاتفاق وخوّنوا أصحابه من الرئيس أمين الجميل”، داعياً إلى "لحظة تجلٍّ وطنية يُعاد فيها الاعتراف بأنّ اتفاق 17 أيار كان أفضل ما كان متاحاً للبنان في تلك المرحلة".

وعن مقارنة المرحلة الحالية بمرحلة اتفاق 17 أيار، اعتبر أنّ "الوضع اليوم أقلّ تعقيداً، لأنّ إسرائيل ليست موجودة في بيروت، ولا يوجد جيش سوري في لبنان، كما لم يعد هناك وجود فلسطيني مسلّح كما كان في السابق".

وأضاف أنّ "المرحلة الحالية تشكّل فرصة حقيقية أمام الدولة اللبنانية لوضع حدّ نهائي للصراع العسكري المفتوح مع إسرائيل، والذي استُخدمت فيه الأراضي اللبنانية مراراً من قبل أطراف مختلفة، سواء فلسطينية أو سورية أو إيرانية، لخوض مواجهات لا علاقة مباشرة للبنان بها".

ورأى داغر أنّ"“الفرصة المتاحة اليوم تكمن في الوصول إلى اتفاق مع إسرائيل يحقّق أربعة أهداف أساسية: إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان، وقف الاعتداءات الإسرائيلية، إعادة الأسرى، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار". مشدّداً على أنّ "تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يتم إلا عبر المفاوضات"، منتقداً الخطابات التي ترفض مبدأ التفاوض مع العدو، "في الوقت الذي تطالب فيه عملياً بنتائج لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال التفاوض"، مشيراً الى أن "البعض يقول إنّه ضد المفاوضات، لكنه في الوقت نفسه يطالب بانسحاب إسرائيلي ووقف الاعتداءات وتحقيق مطالب أخرى. فكيف يمكن الوصول إلى هذه النتائج من دون تفاوض؟ المفاوضات في العالم لا تُجرى مع الأصدقاء، بل مع الخصوم والأعداء".

وفي خلاصة موقفه، اعتبر داغر أنّ "الدرس الأساسي الذي كان يجب أن يتعلّمه اللبنانيون منذ عام 1983 هو أنّه لا شيء يحمي الدولة سوى سيادتها الكاملة على أراضيها”، مضيفاً أنّ "كل تجربة قامت على وجود سلاح أو قرار عسكري خارج إطار الدولة أدّت إلى دفع لبنان أثماناً باهظة".