دمشق – بيروت: من زمن الوصاية إلى الشّراكة النّدّيّة

لم تكن زيارة رئيس الحكومة اللبنانيّة نوّاف سلام لدمشق محطّة بروتوكوليّة في سياق العلاقات الثنائيّة، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسيّ لولادة مرحلة مختلفة بالكامل، في العلاقة اللبنانية – السورية. مرحلة تحاول للمرّة الأولى منذ عقود أن تُعيد صياغة العلاقة بين البلدين على قاعدة الندّيّة والمؤسّسات والمصالح المشتركة، لا على قاعدة الوصاية والأجهزة والنفوذ الأمنيّ.

 

حملت الزيارة التي قاد فيها سلام وفداً وزاريّاً إلى العاصمة السوريّة ولقاؤه الرئيس السوريّ أحمد الشرع لساعتين كاملتين دلالات تتجاوز الملفّات التقنيّة التي جرى بحثها لتلامس جوهر التحوّل الحاصل في البلدين معاً: لبنان الخارج تدريجاً من مرحلة الارتهان والانهيار، وسوريا الجديدة الخارجة من حرب طويلة أعادت تشكيل نظامها السياسيّ وأولويّاتها الداخليّة والخارجيّة.

في العقود الماضية، لم تكن العلاقة اللبنانيّة – السوريّة متوازنة. منذ دخول الجيش السوريّ إلى لبنان عام 1976، تحوّلت دمشق تدريجاً إلى المرجعيّة السياسيّة والأمنيّة الأولى في القرار اللبنانيّ، وصولاً إلى مرحلة الوصاية الكاملة في عهد الرئيس السوريّ السابق بشّار الأسد، حين كانت الحكومات تُشكّل والانتخابات تُدار والتوازنات تُرسم من دمشق أكثر ممّا تُصنع في بيروت. دفع لبنان أثماناً باهظة من سيادته ومؤسّساته وحياته السياسيّة نتيجة تلك المرحلة، قبل أن يبدأ الانسحاب السوريّ بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 تحت ضغط داخليّ ودوليّ واسع.

لكنّ المفارقة أنّ سوريا نفسها دخلت لاحقاً في مرحلة من النزف الداخليّ والحرب الطويلة، وشهدت تدخّلاً عسكرياً مباشراً من “الحزب” في الصراع السوريّ، فباتت الجراح متبادلة والتداخل بين الأزمتين اللبنانيّة والسوريّة أكثر تعقيداً من أيّ وقت مضى.

إعادة تعريف المصالح المشتركة

لذلك تبدو محاولة بناء علاقة جديدة اليوم أشبه بمحاولة إعادة تعريف تاريخ كامل من التداخل والصدام والمصالح المتشابكة.

في هذا السياق تحديداً اكتسبت زيارة سلام أهمّيّتها. لم يكن عاديّاً بيان رئيس الحكومة بعد لقائه الشرع، سواء في اللغة أو في مضمون الملفّات المطروحة. ليس الحديث عن “الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين” تفصيلاً في قاموس العلاقة بين بيروت ودمشق، بل هو توصيف معاكس تماماً لما حكم العلاقة لعقود. إلى ذلك يعكس الإصرار على العمل المؤسّساتيّ عبر لجان مشتركة وتعاون وزاريّ مباشر توجّهاً واضحاً لنقل العلاقة من المستوى الأمنيّ – السياسيّ المغلق إلى مستوى الدولة مع الدولة.

وفق معلومات “أساس ميديا”، لن تبقى نتائج الزيارة محصورة بالإعلانات السياسيّة، إذ يجري التحضير خلال الأيّام المقبلة لإعلان مجموعة اتّفاقات اقتصاديّة وعمليّة بين البلدين تشمل ملفّات النقل والترانزيت والمعابر والتعاون الكهربائيّ والتبادل التجاريّ، إضافة إلى خطوات تتعلّق بتسهيل حركة الشاحنات والبضائع ومعالجة العقبات الحدوديّة التي أرهقت الاقتصادين اللبنانيّ والسوريّ معاً خلال السنوات الماضية.

قالت مصادر حكوميّة إنّ اللقاء المطوّل بين أحمد الشرع ونوّاف سلام لم يقتصر على الملفّات الثنائيّة، بل تناول أيضاً التحوّلات الإقليميّة الكبرى والتحدّيات المشتركة التي تواجه البلدين، من ملفّ الحدود والتهريب والنازحين، إلى مستقبل المنطقة في ظلّ التصعيد الإسرائيليّ المستمرّ. يدرك البلدان أنّ الجغرافيا تفرض عليهما التنسيق مهما بلغت تعقيدات السياسة، وأنّ أيّ اهتزاز أمنيّ أو اقتصاديّ في أحدهما ينعكس فوراً على الآخر.

تحدّي العلاقة مع إسرائيل

هنا تحديداً يبرز التحدّي الأكبر في المرحلة المقبلة: العلاقة مع إسرائيل. تواجه سوريا ولبنان واقعاً مشابهاً إلى حدّ بعيد. جنوب سوريا ما يزال محتلّاً، وجنوب لبنان يعيش تحت الاحتلال والتهديد الدائم. يقف البلدان على حدود مباشرة مع إسرائيل، وهو ما يجعل أيّ تحوّل إقليميّ أو أمنيّ ينعكس عليهما مباشرة. يدرك لبنان أنّه سيلحق بالمفاوضات التي سبقته إليها دمشق، لا سيما أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال المنطقة تدريجاً نحو ترتيبات أمنيّة جديدة تسبق أيّ مشروع واسع لاتّفاقات سلام شاملة.

لذلك تبدو الثنائيّة اللبنانيّة – السوريّة أمام اختبار حسّاس يتعلّق بكيفيّة إدارة العلاقة مع إسرائيل ضمن توازن دقيق بين الوقائع الأمنيّة الجديدة والثوابت السياسيّة التقليديّة، لا سيما أنّ لبنان وسوريا يتحرّكان اليوم ضمن المظلّة العربيّة نفسها التي تقودها المملكة السعوديّة، والتي لعبت خلال الأشهر الطويلة الماضية دوراً أساسيّاً في تثبيت قنوات التنسيق بين بيروت ودمشق.

على مدى العام الماضي، ساهمت المملكة العربيّة السعوديّة بهدوء في التحضير لهذه المرحلة الجديدة، عبر استضافة اجتماعات ولقاءات أمنيّة بين مسؤولين وقادة أجهزة أمنيّة لبنانيّين وسوريّين، وضعت فيها أسس التنسيق المشترك وضبط الحدود ومواكبة التحوّلات الإقليميّة المقبلة، بعيداً عن ضجيج السياسة والإعلام إلى حدّ كبير.

كلّ ذلك يجعل من زيارة نوّاف سلام لدمشق أكثر من زيارة ثنائيّة عاديّة، فهي تمثّل محاولة لإعادة بناء العلاقة بين بلدين دفعت شعوبهما أثماناً باهظة من الصراعات والتداخلات والوصايات والحروب. لكنّها أيضاً تشكّل بداية مرحلة إقليميّة جديدة قد تفرض على بيروت ودمشق معاً إعادة تعريف أولويّاتهما السياسيّة والأمنيّة وحدود علاقتهما بالعالم من حولهما.

صحيح أنّ الحلول الكبرى لن تأتي غداً، وأنّ الملفّات العالقة بين البلدين أكبر من أن تُعالج في زيارة واحدة، من المفقودين والموقوفين إلى الحدود والنازحين والتشابكات الأمنيّة والسياسيّة، لكن قد يكون الأهمّ أنّ الطرفين يحاولان للمرّة الأولى منذ سنوات طويلة فتح باب جديد مختلف في الشكل والمضمون.

إنّها ليست نهاية التاريخ الثقيل بين بيروت ودمشق، لكنّها بالتأكيد بداية محاولة للخروج منه.