دير ميماس بعد التوغّل الإسرائيلي: بين الخوف والتمسّك بالبقاء

لم يلتقط أبناء دير ميماس أنفاسهم بعد. ما زال مشهد توغّل آليات القوات الإسرائيلية باتجاه نقطة للجيش اللبناني عند مدخل البلدة، وتفتيش عدد من المنازل، ماثلًا أمام أعينهم. يسود القلق والتوتر بين الأهالي، فيما يتردد سؤال واحد في الضيعة:ماذا لو أُقفلت كل منافذ البلدة؟ "نصبح في الإقامة الجبرية"، كلمات الدكتور جورج نكد تلخّص المشهد.

من هذه الطريق يتجه نكد يومياً إلى مستشفى مرجعيون، ومنها يعود إلى بلدته. يصف ما عاشه الأهالي بأنه أمرٌ مقلق جداً، ويرى أن دير ميماس قد تدفع ثمن موقعها الجغرافي المشرف على الليطاني وقلعة الشقيف، والواصل باتجاه الدمشقية والريحان.

فاجأ تقدّم الآليات الإسرائيلية باتجاه عناصر الجيش اللبناني أبناء البلدة، لكن إلقاء القنابل الصوتية باتجاه العناصر كان، بالنسبة إلى نكد، الجانب الأخطر في الحادثة. ويقول: "الجيش زرع الاطمئنان في النفوس، وما حصل ليس بريئًا، وإن تكرر فهو الأخطر". كما دفع ما حصل البلدية إلى إيعازها للأهالي، الذين لا يتجاوز عددهم 260 شخصاً، بعدم التحرك إلى حين اتضاح المشهد وأبعاده وارتداداته.

 

الجيش وشريان البلدة

قبل نحو عشرة أيام، استحدث الجيش اللبناني نقطة عسكرية عند مدخل دير ميماس الوحيد النافذ حاليًا، عند مثلث دير ميماس ـ برج الملوك ـ كفركلا. وجاء إنشاء النقطة على الطريق التي تشكّل شريان البلدة، بعد مناشدات عديدة وجهتها البلدية والأهالي إلى الجيش لتعزيز انتشاره. وجود الجيش عند المدخل، والقريب من كروم الزيتون، شكّل جرعة اطمئنان للسكان، ولا سيما المزارعين الذين يستعدون لقطاف الموسم الجديد.

لكن وجود النقطة العسكرية لم يمر من دون توتر. فقد تقدمت القوات الإسرائيلية باتجاه عناصر الجيش اللبناني، وأجبرتهم على التراجع نحو برج الملوك لمسافة تقارب 150 متراً، قبل أن تقوم بتفتيش عدد من المنازل المحيطة بالنقطة، من بينها منزل نائب رئيس بلدية دير ميماس، ثم تنسحب. وبحسب ما يرويه نكد في حديثه ل "المدن" ألقت القوات الإسرائيلية قنابل صوتية من نوع "إنيرغا" باتجاه عناصر الجيش، قبل أن تفرض تراجعهم عن النقطة.

 

بلدة الزيتون

دير ميماس، أو "بلدة الزيتون" كما يحلو لأهلها تسميتها، لا تبدو لسكانها كبلدة حدودية شهدت حادثة عسكرية بسيطة أو هامشية. فموقعها الجغرافي المشرف على نهر الليطاني، والمواجه لقلعة الشقيف وعلي الطاهر، والممتد باتجاه مرتفعات الريحان، يضعها في قلب جغرافيا شديدة الحساسية.

وهي أيضاً جارة كفركلا، وتتداخل حقول الزيتون بين البلدتين، في وقت يستعد فيه المزارعون لموسم القطاف. ومن هنا تأتي أهمية نقطة الجيش عند مدخل البلدة، وفق الأهالي، لتأمين الطريق وتعزيز شعور المزارعين بالأمان خلال الموسم.

لدير ميماس عدة مداخل: أحدها من جهة الخردلي، ويُعرف بمدخل "مرقص"، نسبة إلى محطة مرقص، وآخر عند منطقة "الهورة" بين دير ميماس وكفركلا، وثالث من ناحية برج الملوك، القليعة، مرجعيون. وهذا الأخير هو المدخل النافذ حالياً وعنده أقام الجيش نقطته العسكرية.
ماذا بعد التوغّل؟

تقول رئيسة بلدية دير ميماس، تانيا برنايا، إن "ما حصل انتهى"، وتأمل ألا تتكرر هذه الخطوة "لأنها ستترك ارتدادات سلبية على سكان البلدة". وتشير برنايا في حديثها ل "المدن" إلى أن التبرير الذي أُعطي للتقدم الإسرائيلي هو أن نقطة الجيش اللبناني تقع ضمن "الخط الأصفر". لكنها تقول: "ما أعرفه أن الجيش يقف عند مدخل البلدة، ونحن بلدة لبنانية، والجيش حضر ليطمئن الأهالي أنه بقربهم". وتأمل "ألا يتكرر هذا المشهد الذي عشناه، وألا يترك أثراً سلبياً على الناس".

لكن بالنسبة إلى نكد، فإن ما حصل يفتح الباب أمام قلق وأسئلة تتعلق بالجو العام المسيطر على المنطقة. خوف كبير من أن يتكرر التوغّل. ومن إمكانية أن يتحول إغلاق الطريق إلى وسيلة لعزل البلدة ودفع سكانها إلى الرحيل.

يكمل نكد في حديثه: "إذا أقفلوا الطريق، أو تكررت هذه الحادثة، نصبح محبوسين، نعيش تحت الإقامة الجبرية، وهذا قد يدفع من يعيش في البلدة نحو الرحيل". ولا تستبعد نكد أن يستيقظ الأهالي صباح يوم على توغّل جديد، لكنها تأمل "ألا يتكرر هذا السيناريو المرعب صباحاً".

 

ثلاثة سيناريوهات

تقول مصادر متابعة للتطورات ل "المدن" إن ما حصل "ليس بريئاً" وإن توقيته يأتي في ظل تعزيز الجيش اللبناني انتشاره في المنطقة. وترى المصادر أن موقع دير ميماس، بحسب قراءتها، يمنحها أهمية في أي تحرك باتجاه مرتفعات الدمشقية والخردلي. وتطرح المصادر ثلاثة سيناريوهات لما بعد الحادثة.

الأول، أن تكون ذيول ما حصل قد انتهت نتيجة الاتصالات المكثفة التي جرت. أما الثاني، فهو استمرار الضغط على الأهالي ودفعهم إلى مغادرة البلدة، وتعتبره المصادر "الأخطر" إذا ما دفع السكان ثمن موقع بلدتهم الجغرافي.

والثالث، هو تكرار توغلات محدودة بهدف زعزعة استقرار البلدة والبلدات المحيطة بها.

ويستعيد نكد في حديثه مشهد حلتا، معتبراً أن ما حصل في دير ميماس يشبه، من وجهة نظره، ما جرى هناك. ويقول: "كأنهم يقولون لأهالي البلدة فلّوا، وهو ما لا يريده أحد".

 

التمسك بالبقاء

لا تختفي أصوات القصف عن دير ميماس. تحت البلدة المشرفة على نهر الليطاني، تتساقط القذائف المدفعية، فيما لا يزال غبار تفجيرات مسارات الشقيف وعلي الطاهر حاضرًا في محيط المنازل.

وبين الخوف من تكرار التوغّل، والقلق من إقفال الطريق الوحيد النافذ، يتمسك أبناء دير ميماس بالبقاء.

فالمسألة بالنسبة إليهم لا تتعلق بطريق تُفتح أو تُقفل، ولا بنقطة عسكرية أقيمت عند مدخل البلدة فحسب. إنها تتعلق بقدرتهم على الوصول إلى بلدتهم والخروج منها، وعلى مواصلة حياتهم ومواسمهم ووجودهم فيها. أهالي دير ميماس حالهم حال كثيرين من القرى المجاورة، لا يريدون أن يتحول موقع بلدتهم الجغرافي إلى سبب لعزلهم، ولا أن يدفعوا ثمنه تهجيراً يرفضونه.