سينما كولورادو: نداء عاجل ذاكرة طرابلس الحديثة على المحك

 لفتت جمعية «تراث طرابلس – لبنان»، في بيان، الإنتباه ، "إلى ما يجري بصمت في قلب مدينة طرابلس، حيث تظهر معلومات وصور متداولة مؤخرا أعمال إفراغ وتفريغ داخل سينما كولورادو، إحدى أقدم وأهم الصالات السينمائية في المدينة، من دون أي إعلان رسمي أو توضيح علني حول طبيعة هذه الأعمال أو مآل هذا المعلم الثقافي.

وتجدر الإشارة إلى أن سينما كولورادو صمم مبناها على طراز معماري قريب من الأسلوب آرت ديكو، وكان من توقيع المهندس الراحل جورج دوماني، ما منحها طابع معماري مميز يتناغم مع روح المدينة في منتصف القرن الماضي.  وقد كانت هذه الصالة تتسع لنحو 900 إلى 1000 مقعد، موزعة بين الأوركسترا والبلكون والبينوار، مع تصميم داخلي واضح يفصل بين هذه المساحات لتوفير تجربة مشاهدة راقية لجمهور المدينة.

ولسينما كولورادو مكونات ثقافية وأرشيفية غنية تعكس ارتباطها الوثيق بعالم الفن السابع، بما في ذلك مخزون من الأفلام القديمة والأرشيف السينمائي مرتبط بأسماء ومشاهد سينمائية مهمة، إضافة إلى عناصر تراثية مثل الزجاجيات والسجاد الفاخر والقطع الداخلية التي تحمل طابع تلك الحقبة، والتي كانت تشكل جزء من ذاكرة المكان وتجربة زواره.

ولعل أهم ما يعزز القيمة الثقافية لهذه الصالة هو أنها احتضنت في تاريخها عرض فيلم "إلى أين؟" للمخرج اللبناني العالمي الراحل جورج نصر، أحد أبناء طرابلس، وقد حظي هذا العمل السينمائي بتقدير عالمي مميز، إذ عرض في مهرجانات دولية بارزة ومنها مهرجان كان السينمائي، ما يضع اسم المكان في سياق ارتباطه برواد السينما اللبنانية على الصعيد الدولي.

لسينما كولورادو قيمة تتجاوز كونها مبنى قديم. فهي شاهد حي على مرحلة أساسية من تاريخ طرابلس الحديث، وعلى زمن كانت فيه المدينة مساحة نابضة بالحياة الثقافية والفنية، ومنبر للمعرفة والانفتاح والتلاقي الاجتماعي. هنا تشكلت ذاكرتنا الجماعية الحديثة، وهنا عبرت السينما من كونها مجرد وسيلة ترف إلى ممارسة ثقافية أسهمت في بناء وعي أجيال كاملة.

ما يثير القلق اليوم ليس فقط مصير مبنى، بل مصير ذاكرة حضرية كاملة تفرغ تدريجيا، وبعيدا عن النقاش العام، في وقت تعاني فيه طرابلس من تآكل معالمها الثقافية، وغياب السياسات الواضحة لحماية تراثها الحديث.

إن جمعية «تراث طرابلس – لبنان»، بصفتها جهة مدنية معنية بالدفاع عن التراث المادي واللامادي للمدينة، ترى في هذا الملف قضية رأي عام بامتياز، تستحق التوقف عندها، والتدقيق في أبعادها الثقافية، القانونية، والاقتصادية، وطرح الأسئلة الجوهرية حول:

- حق المدينة في حماية ذاكرتها الحديثة،

- دور السلطات المعنية في صون المعالم الثقافية غير المصنفة.

ومستقبل المواقع ذات القيمة الثقافية في مدينة لطالما شكلت الثقافة أحد أعمدتها الأساسية.

من هنا، تتوجه جمعية «تراث طرابلس – لبنان» إلى وسائل الإعلام بوصفها شريك أساسي في حماية الذاكرة العامة، بنداء مهني وأخلاقي عاجل، للاهتمام بهذا الموضوع، والاقتراب منه ميدانيا، والاستماع إلى روايات المكان، وأصوات المدينة، وطرح الأسئلة التي تستحق أن تطرح اليوم قبل فوات الأوان".

وأكدت الجمعية في بيانها "ان طرابلس ليست هامشا، وتراثها الحديث ليس تفصيلا عابرا. وسينما كولورادو ليست مجرد صالة مهجورة، بل مرآة لمدينة تختبر اليوم علاقتها بماضيها ومستقبلها".