رئيس الجمهورية يشقّ طريق "حزب الله" إلى الدولة

أثبت رئيس الجمهورية جوزاف عون في إطلالته المتلفزة لمناسبة مرور سنة على رئاسته، أنه لم يتراجع عن خطاب القسم، ولم يهادن، بخلاف ما روّج كثيرون في الأسابيع الأخيرة، معتبرين أن رئيس الحكومة بات وحيداً في المواجهة، في ظل تراجع الدعم الرئاسي وانقسام الحكومة على نفسها، ومحاولة رئيس مجلس النواب محاصرته، وهو ما أراد رئيس الجمهورية نفيه، إذ أعاد تأكيد مواقفه من قضايا "خلافية" لا يمكن التهاون فيها، لأن أي عودة إلى الوراء يمكن أن تضيّع كل ما تحقق وتعيد البلد إلى النقطة الصفر، وبالتالي تجعله عرضة للحرب المفتوحة مجددا، ولاشتداد الحصار الاقتصادي والمالي عليه. 

يدرك الرئيس جيداً أن المساومة إن حصلت، ستضيّع عهده منذ انقضاء السنة الأولى، ونموذج العهد السابق ماثل أمامه، إذ قضى الرئيس السابق ميشال عون أيامه شبه وحيد في قصر بعبدا، يستقبل ويودّع، من دون أي فاعلية حقيقية أو تأثير في مجريات الأمور، وأسوأ منه الرئيس إميل لحود عندما مدّدت الوصاية السورية ولايته.

في المقابلة بمرور سنة على انتخاب الرئيس، يمكن تسجيل الكثير من النقاط، منها:
أولا- كسر الرئيس عون الصمت وتجاوز التعابير الديبلوماسية، فكان واضحاً في المواضيع الإشكالية والخلافية، من دون مواربة، إذ قال صراحة إن "هذا السلاح انتفى دوره، وسأذهب إلى أبعد من ذلك. إذا كان السلاح، في رأي البعض، قادراً على ردع إسرائيل وتحقيق الانسحاب ومنع الاعتداءات، فأنا معه. لكن بقاءه صار عبئا على بيئته وعلى لبنان ككل".

ومن المعلوم أن ملف السلاح محور الاهتمام الدولي بلبنان، أكثر من أي أمر آخر، وخصوصاً الإصلاح الذي يريده الغرب من بوابة منع التهريب وتبييض الأموال وضمان المصالح، أكثر منه رغبة في إصلاح الإدارة اللبنانية لمصلحة وطنية داخلية.

ثانياً- بدا الرئيس حاسماً في ملف السلاح الفلسطيني، لافتاً إلى أنه أبلغ حركة "حماس" وجوب عدم القيام بأي أعمال عسكرية وإلا فسيتم ترحيل أعضائها. وهذا "التهديد" لم يكن ممكناً قبل ذلك، ولم يكن ليعلن حتى لو وجهت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني تحذيرات إلى مسؤولين فلسطينيين مراراً وتكراراً. وأشار إلى أنه تم سحب السلاح من مخيمات عدة والأمور قيد المتابعة، وهذا أمر لا ينتهي بين ليلة وضحاها. وأضاف: "هناك مخيمات فككناها، وهي غير شرعية، مثل مخيمي قوسايا والناعمة، وهي مخيمات تدريب، والجيش يقوم اليوم قدر الإمكان بطوق أمني حول المخيمات لضبط وضعها".

ثالثا- يرى البعض أن عون وزع مواقفه بما يرضي الجميع، والصحيح أن واجبه يقضي بألا ينحاز في شكل مطلق ضد أي فريق لبناني لأنه يفقد دوره الحكم بين اللبنانيين. فتحدث عن الإعمار والأسرى وعودة النازحين إلى قراهم، وعن مكافحة الفساد والأمن وغيرها. وهذه أمور يتشوق اللبنانيون إلى تحقيق إنجازات فيها. ووجّه رسالة إيجابية إلى النازحين الجنوبيين سائلاً: "لمن تعود البيوت التي تهدمت؟ للبنانيين. والأراضي التي احترقت لبنانية. ومن المسؤول؟ الدولة. عندما غابت الدولة في السابق، فتحت المجال للأحزاب والميليشيات. الدولة اليوم تحتضن أبناءها، بغض النظر عن الأسباب. هم لبنانيون ونحن ملزمون بهم. ولا يسمح بذلك لأي كان إلا للدولة اللبنانية".

رابعاً- فتح رئيس الجمهورية منافذ وأبوابا لـ"حزب الله" للعودة إلى الدولة ومؤسساتها، لأنه يدرك تماماً أن الهزائم التي مني بها المحور المنتمي إليه الحزب، والخسائر والأثمان الباهظة التي تكبدها بكوادره ومخزونه وإمكاناته تحتّم عليه التحوّل، وهي عملية معقدة وصعبة على الحزب الذي ربط وجوده وكيانه بموضوع السلاح والمقاومة، ويريد الرئيس، وربما معه المجتمع الدولي، دعم هذا التحوّل، لإدراك الجميع أن القضاء على الحزب غير ممكن، وبالتالي فإن تخليه تدريجاً عن السلاح يحتاج إلى إحاطة لبلوغ الهدف في نزوعه إلى العمل السياسي. وقال: "آن الأوان لكي تتعقلنوا. إمّا أنتم في الدولة عن حق، وإما لا. لديكم وزراء ونواب ممثّلون في الدولة، ضعوا أيديكم بيد الدولة، وهي تتكفل بالحماية".

خامساً- أكد تمسكه بالدستور رافضاً طروحات التمديد والتجديد، ولو كان طرحها مبكرا جداً، ونفى العمل على إنشاء كتلة نيابية، وقال: "ليس لديّ أي حزب سياسي، ولا أطمح إلى أن أكمل في الحياة السياسية بعد خمس سنوات. طموحي أن أعود لأقيم في ضيعتي. دوري في الانتخابات النيابية ضمان إجرائها في موعدها الدستوري وسلامتها وإمنها وشفافيتها، ولا يعنيني شيء آخر، وفي 9 كانون الثاني 2031 أكون قد أصبحت في بيتي، وإن شاء الله يكون هناك رئيس يتسلّم المهمة.

سادساً- حسم الرئيس عون الموقف من الحرب والسلم، ومن التفاوض الذي بدأ خطواته الأولى، سائلاً: "ما هي خياراتنا؟ أدوات السياسة ثلاث: الديبلوماسية، والاقتصاد، والعسكر أو الحرب. جربنا الحرب، فما كانت النتيجة؟ هل نبقى متفرجين دون أن نقدم على خطوة أخرى؟ لدينا إذاً المسار الديبلوماسي. إذا لم نفعل شيئاً، لدينا نسبة صفر في المئة لتحقيق تقدم. وإذا سرنا بالمسار الديبلوماسي، فلدينا نسبة خمسين في المئة للتقدم. فلمَ لا نجرب؟ هل الحرب أمر ضروري؟ انتهينا من الحرب. هذه طبيعة السياسة في العالم".

بعض الانتقادات السريعة التي صدرت أمس عبر وسائل التواصل الاجتماعي من جمهور الحزب لا تعبّر عن موقف رسمي، وإن تكن القيادة مستاءة خصوصاً من عبارات مثل "الجماعات المسلحة" وهي التي وردت في بيان قيادة الجيش قبل أيام، وأبدى الحزب امتعاضه منها، لكن المرجح أن الحزب يلاقي الرئيس في عدم رغبته في التصادم معه، وهو لذلك سيتعامل مع الإطلالة بعدم السلبية المعلنة.