المصدر: Kataeb.org
الكاتب: شادي هيلانة
الجمعة 9 كانون الثاني 2026 15:25:24
لم تمر زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت بهدوء، ولا قرئت خارج سياقها السياسي الأوسع، خصوصًا في ظل ما رافقها من خطابات مزدوجة وإشارات متناقضة أعادت فتح ملف العلاقة الإيرانية- اللبنانية على مصراعيه.
ففيما حمل الضيف الإيراني عناوين ديبلوماسية ناعمة عن مصالح مشتركة وعلاقات متكافئة،برزت في المقابل مواقف إيرانية رسمية تبقي لبنان ضمن دائرة النفوذ، وتتعاطى معه كورقة ضغط قابلة للاستخدام عند الحاجة.
هذا التناقض كان كافيًا لاستدعاء رد سياسي مباشر من رئيس حزب "الكتائب اللبنانية" النائب سامي الجميّل، الذي اعتبر أن الخطاب الإيراني حيال لبنان ينطوي على قدر غير مسبوق من الاستهانة بالعقول، إذ يقال شيء في العلن ويمارس نقيضه في الواقع.
الجميّل لم يكتفِ برفض هذا السلوك بل ذهب أبعد، معبرًا عن امتعاضه من الحفاوة الرسمية التي أُحيطت بها الزيارة، معتبرًا أن الضيف يُخفي غير ما يُعلن، وأن هذا الأسلوب لم يعد مقبولًا في مرحلة دقيقة تمر بها البلاد.
موقف الجميّل لم يأتِ معزولًا عن قراءات أوسع، لا سيما على المستوى الاقتصادي، فمراقبون اقتصاديون تساءلوا عن الجدوى الفعلية لاصطحاب وفد اقتصادي إيراني في توقيت تعاني فيه طهران من أزمات داخلية خانقة، وسط احتجاجات متواصلة على تدهور الأوضاع المعيشية، وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث لا تتجاوز المنحة الشهرية التي تقدمها الدولة لمواطنيها سبعة دولارات.
في هذا السياق، يلتقي الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل مع هذا التوصيف، معتبرًا أن الزيارة لا تحمل أي مضمون اقتصادي جدي، ويشير إلى أن تركيبة الوفد المرافق لا توحي بوجود ملفات استثمارية أو مشاريع تعاون قابلة للبحث مع الوزارات اللبنانية المختصة، مؤكدًا أن إيران ليست في موقع يسمح لها بلعب دور الداعم اقتصاديًا، في ظل اضطراب داخلي متصاعد، وتظاهرات يومية يواجهها النظام بالقمع والعنف ما يضعه في حالة هشاشة واضحة.
ويذهب شربل أبعد من ذلك، معتبرًا أن الهدف الحقيقي للزيارة يتصل باتصالات مباشرة مع "حزب الله"، بعيدًا عن أي إطار رسمي لبناني، وبما لا يمت بصلة لا للدولة اللبنانية ولا لمفهوم التعاون بين الدول.
فبرأيه، معظم اللبنانيين ينظرون إلى النظام الإيراني بوصفه العائق الأساسي أمام استعادة السيادة الكاملة، نظرًا للدور الذي يلعبه الحزب المرتبط مباشرة بطهران، والذي ما زال يعطل مسار حصرية السلاح ويمنع عودة الدولة إلى وضعها الطبيعي.
من هنا، يقرأ شربل زيارة عراقجي كخطوة تحمل طابع التحدي أكثر مما تحمل نوايا انفتاح، حتى وإن أُلبست غلافًا ثقافيًا أو إعلاميًا، عبر الترويج لتوقيع كتاب أو نشاط جانبي، ويزداد منسوب الالتباس مع توقيت الزيارة، الذي جاء عقب سجال علني بين عراقجي ووزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، على خلفية الخلاف حول مكان اللقاء، إذ شدد رجّي على أن العلاقة بين البلدين لا يمكن التعامل معها كعلاقة طبيعية، في ظل ملفات خلافية عالقة تستوجب مقاربة ندية واضحة بين دولتين مستقلتين.
وفي ما يتصل بالأسئلة المطروحة حول مستقبل قيادة الحزب أو أي تبدل في استراتيجياته، يلفت شربل في ختام حديثه إلى أن هذا النوع من الملفات لا يدخل أصلًا في صلاحيات وزير الخارجية الإيراني، معتبرًا أن البحث في الشؤون الأمنية والتنظيمية هو من اختصاص الحرس الثوري، لا الدبلوماسية الإيرانية، ما يعزز القناعة بأن ما يقال في العلن لا يعكس بالضرورة ما يدار في الكواليس.