مع اقتراب انتهاء ولاية "اليونيفيل" في الجنوب، تقف الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي أمام مرحلة مفصلية تطرح فيها تساؤلات جوهرية حول مستقبل الوجود الدولي على الحدود الجنوبية، ومصير الدور الذي اضطلعت به هذه القوات على مدى عقود في مراقبة وقف الأعمال العدائية والمساعدة على تطبيق القرار الدولي 1701.
حتى هذه اللحظة وقبل أقل من 3 أشهر على نهاية ولاية "اليونيفيل" لا يبدو أن هناك أي مخرج يؤدي الى تمديدها بموجب قرار مجلس الأمن 2790 الصادر بتاريخ 27 آب 2025 بحسب ما قال الصحافي والكاتب السياسي جورج شاهين في حديثه عبر Kataeb.org.
وأوضح أنه وبعد الاتصالات التي أجراها رئيس الجمهورية جوزاف عون وحصيلة الحملة الدبلوماسية الكبيرة التي قادها رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي في الأمم المتحدة وواشنطن، ثبُت أنه ليس هناك من أمل بموضوع التمديد لها، بعد نهاية هذا العام على أن يكون العام 2027 عامًا مخصصًا لتفكيكها وتصفية موجوداتها وتسليم منشآتها.
وأضاف:" إن حصل ان تجاوب مجلس الامن مع طلب لبنان – بطريقة ما غير محتسبة - يمكن أن يكون مشروطًا بما قال به "اتفاق الإطار". فلبنان خبر بمثل هذا الاحتمال قبل أيام قليلة، عندما قادت المناقشات التي جرت في مجلس الأمن، وتحديدًا في جلسة 26 آب الماضي الى التأكيد على إنهاء ولاية "اليونيفيل" واعتبار أن "اتفاق الإطار" قد يكون البديل لإدارة المنطقة أمنيًا وعسكريًا والتثبت من أي تدابير عسكرية أو أمنية يمكن أن يتخذها الجيش. لكن ذلك كله ما زال مرتبطًا بالموقف الإسرائيلي المتشدد من موضوع الانسحاب ومن خلفه التأييد الأميركي، فإسرائيل لا تنوي إخلاء أي نقطة عسكرية قبل تفكيك "حزب الله" وتصفية مؤسساته وهو أمر يتجاوز موضوع تسليم أسلحته إلى الجيش اللبناني أو إلى أي جهة أخرى، وما "زاد الطين بِلَّة " سقوط المبادرة التركية التي قالت مؤخرًا، أنه بإمكانها أن تتولى جمع سلاح الحزب ونقله إلى أي جهة وربما إلى إيران. فقد حاولت أنقرة الاستفادة من علاقاتها المميزة مع طهران ومع لبنان لترتيب هذا الاتفاق، لكنها على ما يبدو لم تتعظ من التجربة العراقية، إذ سبق له أن طرح المبادرة عينها وقال أنه يحتاج هذه الأسلحة لأن هناك ألوية عراقية تعمل تحت لواء "الحشد الشعبي" تستخدم السلاح عينه".
وتابع:" لذلك يبدو أن عملية التمديد لـ "اليونيفيل" صعبة للغاية، وإن تغير أي معطى نتيجة التدخلات التي يقودها اليوم الاتحاد الأوروبي والمبادرات التي أطلقها وخصوصًا الأخيرة منها التي تتحدث عن "قوة أوروبية" ثلاثية تجمع عسكريين إسبان وفرنسيين وإيطاليين، وربما توفر لهذه القوة قراراً أممياً يكون بديلاً عن القرار الذي يعتمد على "قواعد الاشتباك" التي قالت بها الأمم المتحدة.
وأكد شاهين: أن ما يهم لبنان في هذا الموضوع أن تبقى هناك رعاية أممية دولية ضامنة للأمن في الجنوب، ولكن هناك عقدة أساسية مهمة إذ لا يبدو أن إسرائيل راضية لا عن الفرنسيين ولا عن البريطانيين فيما يمكن أن ترحب بقوة إيطالية وهو أمر لا يمكن الجزم بشأنه من اليوم بانتظار الاتصالات التي أجرتها مسؤولة العلاقات الخارجية بلبنان كايا كالاس التي زارت لبنان في اليومين الماضيين لمناقشة هذه الأفكار، إلا أن أي دور لهذه القوة أو أي توصيف لدورها لم يُعطَ حتى اليوم بانتظار ما ستنتهي إليه المشاورات الجارية في مجلس الأمن.
ولكن ما هي المخاطر لمرحلة ما بعد "اليونيفيل"؟
شاهين اعتبر أنه لا يمكن تحديد كل المخاطر المترتبة لما سيكون عليه الوضع في الجنوب بعد نهاية الولاية، ذلك أن القرار 2790 خصص العام 2027 لتفكيك منشآتها وتصفية وجودها وما يقلق في هذا الموضوع بأن هذه القوة ستفتقد "قواعد السلوك" الخاصة بأي عمل أمني. وبالتالي ليس واضحًا ما إذا كانت "اليونيفيل" ستستمر بأعمال الدورية وضبط الوضع في منطقة انتشارها في بقاء الاحتلال الإسرائيلي وهو أمر مقلق، إذ كيف يمكن لهذه القوات إن قررت أن تسلم مواقعها وثكناتها إلى الجيش اللبناني في منطقة محتلة ولا وجود لأي جندي لبناني عليها؟ ذلك انه من الواضح أن قيادة الجيش ترفض أن يجري أي صدام أو أي التقاء على شبر أرض محتل مع الجيش الإسرائيلي.
والى هذه المخاطر الجسيمة، أضاف شاهين: هناك أخرى تتصل بالرعاية الأممية في ظل قرارات مجلس الامن، ولكن ما جرى منذ سنوات أسقط أهميتها المطلوبة. " كلنا ندرك أن الحديث عن تنفيذ القرار 1701 منذ صدوره في 12 آب 2006 كذبة كبيرة. فإسرائيل واصلت استعداداتها للحرب منذ تاريخ 13 أب 2006 يعني في اليوم التالي لصدوره، كما "حزب الله" الذي استغل هذا الغطاء والقرار وعاد ليستأنف أعمال الحفر وإنشاء الأنفاق والتسلح جنوب الليطاني وهو أمر اكتشف بعد حرب "الإلهاء والإسناد" في العام 2023 عندما ظهر ما يمتلكه من الأسلحة. ويكفي القول أن الجيش اللبناني وعندما تسلم جنوب الليطاني، فكك 477 قاعدة صاروخية ووضع اليد على أكثر من 500 مركز للحزب، وصادر كميات كبيرة من الأسلحة، والأخطر من كل ذلك أن الحزب كان قد فخخ بعض مخازنها ولم يبلغ الجيش اللبناني بهذا الأمر، وهو ما أدى إلى استشهاد عدد من العسكريين من وحدات الهندسة في الجيش.
وعن دور المهمة الامنية المزمع إرسالها الى لبنان نهاية العام، أكد شاهين أنه ليس لدى أي مسؤول لبناني بعد صورة واضحة عن هذا الاقتراح لاسيما أنه صادر عن الاتحاد الاوروبي ولم يتوفر له أي غطاء أممي لا من مجلس الامن الدولي ولا من غيره، ويمكن أن يتم التفاهم على آلية للتعاون إن وجد الجو الدولي الذي يسمح بانتشار هذه القوة الاوروبية. ولذلك فإن ما هو ثابت بأن هذه القوة لن تمارس الدور الذي كانت تقوم به "اليونيفيل" وسط حديث عن إمكان وصول عدد من العسكريين من فرنسا وبريطانيا واسبانيا لمساعدة الجيش في مهامه، مشيرًا الى أن هذه القوة لن يكون لها أي موطئ قدم في جنوب لبنان.
ولفت في الختام الى أن المبادرات متعددة والأمر لم يتوقف لا عند الاقتراح الاوروبي ولا عند الجهود الفرنسية المبذولة ولا عند جهود الاتحاد الاوروبي، لذلك فإن الجزم بهذه الخطوة الاوروبية لا يزال سابقًا لأوانه قبل أن تتوفر المعطيات الدقيقة، فلبنان لا يمكنه تجاهل الآليات القانونية والدستورية المحلية والدولية. وكلنا نعرف ان هناك أكثر من آلية مرتبطة بمهمة هذه القوات وشكلها. فإن كانت قوات أممية يجب ان تخاطب الحكومة اللبنانية مجلس الأمن للبت بها. وإن تحولت هذه الخطوة الى مبادرة أوروبية يمكن للحكومة اللبنانية أن تخاطب حكومات دولها التي ترغب بالمشاركة فيها لعقد اتفاقيات خاصة تحدد دورها وولايتها ومهمتها والى أن تحل اللحظة ما علينا سوى الانتظار مهما كان ثقيلا.