المصدر: eremnews
الكاتب: مالك الحافظ
الاثنين 27 نيسان 2026 17:41:26
تدخل الجبهة اللبنانية الإسرائيلية مرحلة أكثر حساسية مع تزامن المساعي الأميركية لتثبيت وقف إطلاق النار وتصاعد الخطاب الإسرائيلي حول حدود الرد العسكري.
وتنقل تل أبيب إلى واشنطن رسالة واضحة مفادها أن استمرار هجمات مليشيا "حزب الله" على الجيش الإسرائيلي سيدفع الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع نطاق العمليات، في محاولة لربط أي تصعيد مقبل بوقائع الميدان وبالضغط الداخلي المتصاعد من المؤسسة الأمنية وأحزاب اليمين.
وجاءت الرسائل الإسرائيلية بعد يوم دموي شهده لبنان يوم أمس الأحد، إذ أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط قتلى وجرحى في ضربات إسرائيلية واسعة.
وقالت تل أبيب إن عملياتها جاءت ردًا على خروقات "حزب الله"، في وقت واصل الحزب تنفيذ هجمات ضد مواقع وقوات إسرائيلية، وهو ما استخدمته تل أبيب لتقديم وقف إطلاق النار كمسار آخذ في التآكل وللدفع نحو تصعيد أوسع.
الضربات الأعمق وضغط الشمال الإسرائيلي
وتزداد حساسية المشهد مع انتقال الضربات الإسرائيلية إلى نطاقات تتجاوز خطوط الاشتباك الحدودية التقليدية، خصوصًا مع التحذيرات الإسرائيلية لبلدات في جنوب لبنان والحديث عن أهداف تقع شمال الليطاني.
كما يمنح هذا التطور الجبهة بعدًا عملانيًا مختلفًا، إذ يربط الجيش الإسرائيلي ضرباته باستهداف البنية العسكرية لـ"حزب الله" على عمق أكبر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت تعمل الدولة اللبنانية، من خلال المسار التفاوضي برعاية واشنطن، على تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة ملف الحدود إلى القرار الرسمي، وحماية موقع بيروت التفاوضي من ارتدادات العمل المسلح خارج المؤسسات.
بينما تتعامل حكومة نتنياهو مع الجبهة الشمالية كملف داخلي ضاغط، إذ يطالب سكان الشمال والتيارات اليمينية برد أكثر حزمًا ينهي الاستنزاف الحدودي، حيث تخدم الرسائل إلى واشنطن هذا المسار عبر توسيع هامش الجيش في لبنان وتقديم نتنياهو أمام جمهوره كقائد يدفع نحو استعادة الردع.
فكل عملية ينفذها "حزب الله" بعيدًا عن المسار الرسمي اللبناني تمنح الحكومة الإسرائيلية حجة إضافية للقول إن الرد المحدود فقد قدرته على حماية الشمال، وإن الانتقال إلى ضربات أوسع أصبح جزءًا من إدارة الأمن الإسرائيلي في مرحلة تتداخل فيها حسابات الداخل مع الميدان اللبناني والعلاقة مع واشنطن.
المسار الرسمي تحت ضغط التصعيد
كذلك يمنح المسار التفاوضي بيروت موقعًا رسميًا في إدارة ملف الحدود ووقف إطلاق النار، ويجعل الدولة اللبنانية طرفًا سياسيًا مستقلًا في التعامل مع واشنطن.
فيما تضغط عمليات الحزب خارج المؤسسات على هذا المسار، وتمنح إسرائيل فرصة للقول إن استمرار العمل المسلح خارج المؤسسات أفقد التهدئة قدرتها على ضبط الجبهة. بهذا المعنى، تستخدم تل أبيب سلوك الحزب للضغط على المسار الرسمي اللبناني، إلى جانب مخاطبة واشنطن وحشد المبررات الأمنية لتوسيع العمليات.
لقد اعتمدت المرحلة السابقة على ردود محدودة تضبط التصعيد وتبقي الجبهة ضمن سقف يمكن للوساطة الأمريكية إدارته، ما يعني أن استمرار عمليات "حزب الله" خارج قرار الدولة اللبنانية يمنح إسرائيل حجة للقول إن هذا السقف فقد وظيفته، ويفتح أمامها مجالًا لإعادة تعريف قواعد الاشتباك عبر ضربات أعمق ضد بنية الحزب داخل لبنان، وفي هذا الانتقال، تختبر تل أبيب موقف واشنطن من توسيع العمليات، وموقع بيروت في تثبيت مسارها التفاوضي.
التفهم الأميركي ومسار الضربات الأوسع
في المقابل، تدرك تل أبيب أن واشنطن تريد إبقاء خطاب التهدئة قائمًا، وترى أن الإدارة الأمريكية قد تتسامح مع هامش عسكري أوسع إذا ربطته إسرائيل باستمرار عمليات "حزب الله" وبالضغط الذي تتركه على المسار التفاوضي اللبناني وبحماية الجبهة الشمالية.
لذلك تستخدم تل أبيب هذه الرسائل لمنح تحركها العسكري مساحة سياسية أوسع، ولضبط ردود الفعل الأوروبية والعربية، ولوضع أي تصعيد مقبل داخل سياق تراكمي يبدأ من الميدان اللبناني ويمر عبر الحسابات الداخلية الإسرائيلية وينتهي عند حدود ما تقبل به واشنطن.
بذلك تتقدم احتمالات التصعيد عبر تراكم تدريجي، من خلال ضربات إسرائيلية أعمق، وتحذيرات إخلاء أوسع، وخطاب أكثر تشددًا في تل أبيب، ورسائل أمنية إلى واشنطن، ثم رد جديد من "حزب الله" تستخدمه إسرائيل لتوسيع بنك أهدافها.
في المحصلة، يتآكل وقف إطلاق النار من داخله، وتتحول التهدئة إلى إطار هش يتسع لمستويات أعلى من العنف قبل أي إعلان سياسي واضح.
إذ تتعامل إسرائيل مع هذا التدرج عبر قياس رد الحزب، وموقف واشنطن، وأداء الدولة اللبنانية في المسار التفاوضي، وأثر كل ضربة على الداخل الإسرائيلي.
ومع كل توسع محدود، تتحرك قواعد الاشتباك خطوة إضافية على الأرض، ثم تأتي الدبلوماسية لاحقًا لتطويق نتائج صارت قائمة بالفعل.