رسالة لرعد: حماية لبنان لا تكون بالمزايدات ولا بالتخوين بل بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها ودستورها

في كل مرة يُطرح فيها النقاش حول حصرية السلاح وبناء الدولة، يتحفنا نواب حزب الله بخطاب ومصطلحات اجتهادية، تضع اللبنانيين أمام معادلة مزيفة: إما القبول بسلاح خارج الشرعية، وإما الاتهام بالاستسلام للعدو. والمقال الأخير الذي هاجم السلطة اللبنانية وكل من يدعو إلى قيام دولة فعلية ليس سوى نموذج إضافي لهذا النهج الذي يحاول مصادرة النقاش الوطني عبر الترهيب السياسي والعاطفي

فادعاء محمد رعد بأن الدولة اللبنانية “تبنّت رواية الاحتلال” لأنها تسعى إلى تثبيت قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية، يتجاهل حقيقة بديهية: لا دولة في العالم يمكن أن تقوم بوجود قرار عسكري مستقل عن مؤسساتها الدستورية. إن المطالبة بحصرية السلاح ليست مطلباً إسرائيلياً ولا أميركياً، بل مطلب لبناني قديم عبّرت عنه شرائح واسعة من اللبنانيين الذين تعبوا من الحروب والانهيارات والدمار المتكرر

المفارقة أن الخطاب نفسه الذي يتحدث يومياً عن “السيادة” يرفض أبسط مقوماتها، أي احتكار الدولة للقوة العسكرية. فكيف يمكن الحديث عن سيادة فيما يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة؟ وكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن قيام دولة قوية يشكّل خطراً، بينما استمرار واقع السلاح المنفلت هو الضمانة الوطنية؟

الأخطر في هذا الخطاب أنه يحاول تصوير أي محاولة لوقف الانهيار أو تجنيب لبنان حرباً مفتوحة على أنها “خضوع للعدو”، في حين أن الوقائع تثبت أن اللبنانيين دفعوا أثماناً هائلة نتيجة قرارات أحادية لم يشاركوا في اتخاذها. فمن الذي قرر فتح الجبهات؟ ومن الذي منح نفسه حق إدخال البلاد في مواجهة مدمرة من دون العودة إلى الدولة أو إلى الشعب اللبناني؟

إن اختزال الوطنية بالمقاومة المسلحة وحدها يشكل إساءة لفكرة الوطن نفسها. فالوطنية ليست حكراً على حزب أو محور، والسيادة لا تعني فقط مواجهة إسرائيل، بل أيضاً حماية اللبنانيين من الانهيار والفقر والعزلة والدمار. كما أن رفض استمرار السلاح خارج الدولة لا يعني إطلاقاً القبول بالاحتلال أو التخلي عن الحقوق الوطنية، بل يعني ببساطة أن اللبنانيين يريدون دولة طبيعية تحميهم جميعاً بالتساوي

أما سياسة التخوين واتهام كل معارض بأنه يخدم “المشروع الصهيوني”، فهي لغة فقدت فعاليتها منذ زمن، لأن اللبنانيين باتوا يدركون أن من حقهم أن يسألوا عن جدوى الحروب المفتوحة، وعن الكلفة التي دفعتها الدولة والاقتصاد والمجتمع، وعن الأسباب التي تجعل لبنان دائماً ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية

ومن المثير للاستغراب أيضاً تصوير أي تفاوض سياسي أو أمني وكأنه سقوط وطني، بينما يعرف الجميع أن لبنان نفسه خاض مفاوضات واتفاقات متعددة عبر تاريخه لحماية حدوده ووقف الاعتداءات وتثبيت حقوقه، من اتفاق الهدنة عام 1949 وصولاً إلى ترسيم الحدود البحرية. فالتفاوض ليس خيانة بحد ذاته، بل أداة تستخدمها الدول لحماية مصالحها، شرط أن يتم ضمن مؤسسات الدولة ووفق المصلحة الوطنية

للنائب رعد نقول ان الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن غالبية اللبنانيين اليوم لم تعد تريد شعارات تعبئة دائمة، بل تريد دولة فعلية: جيشاً واحداً، وسلاحاً واحداً، وقراراً وطنياً واحداً، وعلاقات متوازنة مع العالم العربي واللمجتمع الدولي، بعيداً عن منطق المحاور والحروب الدائمة

إن حماية لبنان لا تكون بالمزايدات ولا بتخوين المخالفين في الرأي، بل بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها ودستورها، لأن أي مشروع يقوم فوق الدولة أو بدلاً منها سيقود حتماً إلى مزيد من الانقسام والانهيار، مهما كانت الشعارات التي يرفعها