رغم المحاضر والمصادَرة: كيف تنجو المولّدات الخاصة المخالِفة؟

بسَطَت المولّدات الخاصة سيطرتها على الشارع لسنوات، تحت وطأة التراجع المتسارع لقدرة مؤسسة كهرباء لبنان على توفير ساعات تغذية كافية لوقف اعتماد اللبنانيين على المولّدات، أو على الأقل تقليص ذلك. ومع الوقت، تحوّلَت المولّدات الخاصة من حالة استثنائية إلى حالة أساسية ودائمة.

والمستَغرَب أنّ حالة المولّدات الخاصة، باتت قوّة لا يستهان بها على أرض الواقع، واكتسبَ أصحابها القدرة على تفادي الملاحقة بنسبة كبيرة جداً. وفي أسوأ الأحوال، وحين يتم تسطير محاضر ضبط بحقّ المخالفين من أصحاب المولّدات، تنتهي القصّة بأقلّ الخسائر. وأبعد من ذلك، للكثير من هؤلاء قدرة على النجاة من تداعيات مصادَرة مولّداتهم. فكيف يحصل ذلك؟

 

 

المحاضر وحملات المصادَرة

تفاقمت أزمة علاقة المواطنين والدولة من جهة والمولّدات الخاصة من جهة أخرى، مع انهيار الأحوال الاقتصادية والنقدية في البلاد تباعاً منذ العام 2019. مع أنّ عدم التزام هؤلاء بالتعرفة المحدّدة من قِبَل وزارة الطاقة، والتزامها بتركيب العدادات، سَبَقَ الانهيار.

وللتأكّد من الالتزام، تنفّذ وزارة الاقتصاد عبر مديرية حماية المستهلك وبمواكبة الأجهزة الأمنية، حملات مراقبة للتأكّد من التزام أصحاب المولّدات بالتعرفة والعدادات. وتسطّر الوزارة محاضر ضبط بحقّ أصحاب المولّدات المخالفين للقرارات، وصولاً إلى التعاون مع النيابات العامة لإصدار قرارات مصادرة للمولّدات.

وفي السياق، أعلنت وزارة الاقتصاد، في بيان، "تسطير 321 محضر ضبط استهدفت المولدات الكهربائية، من أصل 659 محضر ضبط مسطّرة منذ بداية العام". وأشارت الوزارة إلى أنّ هذه المحاضر تشكّل "نسبة 49 بالمئة من مجموع المحاضر". ومع أنّ الوزارة تسطّر محاضر لمؤسسات تمارس مختلف الأعمال التجارية والخدماتية، إلاّ أنّ استحواذ قطاع المولّدات الكهربائية الخاصة على نحو نصف عدد المحاضر، هو أمر جدير بالتوقّف عنده، إذ يدل على مدى انغماس أصحاب هذا القطاع في مسار الفساد واستغلال الأزمات وتحكّمهم بجزء أساسي من حياتهم اليومية، وهو قطاع الكهرباء. ومع ذلك، لا يبدو أنّ هناك رادعاً حقيقياً للمخالفين من أصحاب هذا القطاع.

ومن فصول هذه الحكاية، هو ما حصل قبل نحو أسبوعين في طرابلس والميناء، حيث انتهت عملية الكشف على المولّدات هناك، بمصادرة ثمانية مولّدات لصالح بلدية طرابلس ومولّدين لصالح بلدية الميناء. وجرى توقيف اثنين، أحدهما صاحب مولّدات، والآخر مسؤول عن إصدار الفواتير "وأجري المقتضى القانوني بحق أصحاب العلاقة بناء لإشارة القضاء المختص"، وفق ما أعلنته يومذاك المديرية العامة لأمن الدولة. وهذا السيناريو ليس يتيماً، إذ سبقته حالات مماثلة على مدى سنوات. ومع ذلك، لم تنتهِ فصول حكاية عدم التزام أصحاب المولّدات بالتعرفة وبتركيب العدادات. لا بل تزداد نسبة التجاوزات مع بروز متغيّرات سلبية، كحالة الحرب في لبنان والمنطقة، وارتفاع أسعار المحروقات مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وهي الحجّة السريعة التي يركن إليها أصحاب المولّدات لتبرير أي تجاوز، وصولاً إلى إجرائهم تقنيناً قاسياً في المناطق والأحياء التي لا يزال يعتمد فيها أصحاب المولّدات، نظام "المقطوعة"، أي تقاضيهم مبلغاً مالياً شهرياً ثابتاً، بغضّ النظر عن حجم الاستهلاك ومدّة التغذية.

 

 

الثقب الأسود

مسار مراقبة التزام أصحاب المولّدات الخاصة بالتعرفة وتركيب العدادات، لا ينعزل عن واقع البلاد ودهاليزها السياسية التي تكسر حلقة الرقابة في جزئها الأهم، وهو تنفيذ الحكم القضائي والتأكّد من استدامة التنفيذ وعدم الالتفاف على الحكم.

على أرض الواقع، تحدّد وزارة الطاقة التعرفة الشهرية للمولّدات والتي تتضمّن سعر الكيلوواط وهامش الربح وتكلفة الإنتاج وهامش كلفة الصيانة، وتؤكّد الوزارة على ضرورة الالتزام بتركيب العدادات. ومن بعدها، تشرف وزارة الاقتصاد على التزام أصحاب المولّدات، عبر حملات الرقابة التي تقوم بها مديرية حماية المستهلك. وتشكّل مؤازرة القوى الأمنية درع حماية لفرق الرقابة. لكن ذلك لا يعني إتمام المهمّة بصيغتها المطلوبة. فهناك "ثقب أسود" تمرّ عبره هذه المهمّة، ويقبع الثقب في نهاية المسار.

وتؤكّد مصادر في الوزارات المعنية بالملف، أنّ "المسار الذي يسلكه قطاع المولّدات الخاصة أعمق مما يبدو عليه في الظاهر". وتشير المصادر في حديث لـ"المدن" إلى أنّ المشكلة لا تقف عند وزارة محدّدة "فبعد تحديد وزارة الطاقة للتعرفة الشهرية، تقوم وزارة الاقتصاد بالتأكّد من التزام أصحاب المولّدات، وتسطّر محاضر ضبط بحقّ المخالفين، أمّا الجهات القضائية، فتصدر قرارات المصادَرة. ومن هنا تبدأ الحكاية الأهمّ". فبعد انتهاء المراحل القانونية لمسار مراقبة المولّدات الخاصة، يأتي تأثير الأمر الواقع. وتقول المصادر إنّ "المولّدات المصادَرة تُسَلَّم للبلديات لتشغيلها تحت إدارتها. وفي هذه المرحلة، يخرج الملف عن سلطة وزارتي الطاقة والاقتصاد. وعلى أرض الواقع يصبح الملفّ أمام القوى التي تتحكّم بالشارع والبلديات. وذلك "تصبح البلديات أمام عبء مواجهة أصحاب المولّدات ونفوذهم السياسي والشعبي في القرى والمدن. وفي النتيجة، تُعاد المولّدات المصادَرة إلى أصحابها بعد تمنّي البلديات عليهم الالتزم بما هو مطلوب".

لكن إذا كان القرار القضائي لم يفلح في سحب المولّدات من أصحابها المخالفين، مَن يضمن عَدم المخالفة مجدداً؟ الإجابة سلبية، وهي أنّ أحداً لا يضمن ذلك، فلا يبقى للمواطن سوى المقولة الأشهر التي يردّدها أصحاب المولّدات "مش عاجبك، فِكْ"، أي أنّ مَن لا يعجبه هذا الواقع، بتقنينه وفواتيره المرتفعة، ليس مجبراً على شراء هذه الخدمة. وفي ظل العتمة شبه الشاملة من قِبَل مؤسسة كهرباء لبنان، فإنّ كهرباء المولّدات الخاصة هي الخدمة الوحيدة المتوفّرة. وفي ظلّ الاحتكار وسلطة الأمر الواقع، لا خيار للمواطنين سوى الخضوع.

لا تستبشر المصادر خيراً في المستقبل القريب، لأنّ الواقع لن يتغيّر فجأة. ولذلك، "الخطوة الأولى التي يمكن القيام بها هي تعزيز دور القضاء للتأكّد من الالتزام بقراراته، ثم التواصل مع البلديات للتأكّد من تشغيلها وإدارتها للمولّدات المصادَرة". وأبعد من ذلك، إنّ حلّ هذه المشكلة يبدأ من البلديات باعتبارها السلطة الرسمية في المناطق، فبيدها الضغط على أصحاب المولّدات للالتزام بالتعرفة والعدادات والمعايير المطلوبة لحسن تقديم هذه الخدمة. كما أنّ البلديات "هي الممثّلة الفعلية لقوى الأمر الواقع، أي لسلطة الأحزاب السياسية والعائلات والشخصيات النافذة في كل منطقة، ويمكن الوصول إلى تسويات معها عوض الصدام مع القوى الأمنية".

 

قضية المولّدات الخاصة هي انعكاس لتركيبة البلد القائمة على تداخل النفوذ السياسي مع رأس المال. فالمتموّل قادر على شراء غضّ النظر السياسي، والنافذ السياسي قادر على كفّ يد القضاء عن المتموّل، فيما يدفع المواطن كلفة هذه العلاقة التي تسير في ثقب أسود لا يمكن كشف تفاصيله إلى العلَن، مع أنّ الجميع يتحدث في أشكاله وتداعياته وتفاصيله.