"روحي تاهت بحثاً عن طفليَّ".. طرابلس تصارع الموت: الحل قريب؟

خلف الغبار الذي تصاعد في شارع سوريا في طرابلس، جراء انهيار المباني المتصدعة، تمتد الكارثة لتسكن في عيون الأطفال. وتحت بلاط الغرف المترنحة، وفي صرخات المحرومين التي تطرق أبواب قصورٍ صمّت آذانها منذ عقود، باتت طرابلس اليوم رواية طويلة من القهر والفقر، يكتب فصولها أناسٌ دفعوا دماءهم ثمناً لإهمالٍ رسمي فاق بوحشيّته قذائف الحروب.

 

علي ملحم صار يتيماً..

تبدأ "المدن" جولتها قرب سريرٍ بارد في المستشفى الحكومي، حيث يرقد الطفل علي ملحم. علي جريحٌ نجا من الموت وهو شطرٌ من عائلةٍ مزقها الركام. هو لا يسأل عن جراحه، ولا عن دواءٍ يسكّن ألمه، بل يرتجف صوته بطلبٍ واحدٍ يدمي القلوب: "بدي بابا". لا يعلم الصغير أن والده قد استحال جثةً هامدة تحت أنقاض بيته، وأن شقيقه يرقد على بعد أمتارٍ منه في غرفة العناية الفائقة. صرخة علي هي التوصيف الأدق لكارثة طرابلس: طفلٌ يطلب أماناً دُفن تحت أنقاض سلطة لم تترك له سوى اليتم وبعض الندوب على وجهه.

 

الموت يتربص تحت البلاط

في زوايا شارع سوريا، يقودنا السيد أحمد العلي إلى داخل منزله، لا ليرينا أثاثاً أو صوراً، بل ليشرح لنا كيف يعيش الإنسان فوق "فوهة" الموت. يشير أحمد إلى الأرضية ويقول بمرارة: "تحت البلاط هون فاضي.. نحن فوق جُبّ مياه!". يروي أحمد كيف تاهت روحه بالأمس وهو يبحث عن طفليه في غمرة الغبار، وكيف قضى ليلته مشرداً مع عائلته في "مزار" ديني بآخر الشارع. ويسأل أحمد "لأيمت بدي ابقى هيك؟" هنا، تتحول المنازل من حضنٍ إلى مصائد، وتفيض المياه الآسنة تحت الأساسات وسط صمتٍ بلديٍّ مطبق، رغم آلاف المناشدات التي ذهبت أدراج الرياح.

غير بعيدٍ من أحمد، يقف محمد جوهرة فوق "بناية بدر عليشة"، يفتت صخور الحائط بيديه العاريتين أمام أعيننا وكأنها عجينة هشة. "إذا كانت الأساسات مثل المباني التي سقطت، فالعوض بسلامتكم"، يقول محمد بلغة اليأس المطلق.

 

حسناء وصراع البقاء

السيدة حسناء صيداوي، التي تسكن الطابق الأول في مبنى ملاصق للمبنيين المنهارين، تمثل وجه "الصمود القسري". أخلى الجميع المبنى وبقيت هي وحدها تواجه الحجارة التي تتساقط من السقف. "ما في بديل.. لو في مكان ما بقيت هون أصلاً"، تقولها حسناء بوجعٍ يختصر أزمة مئات العائلات. لم يطرق بابها مسؤول، ولم يطمئنها مهندسٌ من البلدية، هي متروكةٌ لقدرها، بانتظار معجزةٍ تمنع أن يتساوى السقف بالأرض.

 

تسونامي الانهيارات

تسونامي الانهيارات المتواصل لم يوفّر مبنى "توفيق العتر" في محلة جسر "أبو علي" الذي يتألّف من نحو 55 شقة. الدكتور محمد كسحة، الذي يقطن المبنى ويملك عيادته فيه، يختصر المشهد بعقلانيةٍ موجعة. ويشرح أن السكان تسلموا إنذارات بالإخلاء منذ التسعينيات، وتجددت في 2021 واليوم. لكنه يتساءل بمرارة: "سأترك بيتي وعيادتي، ولكن إلى أين؟ هل أنام على رصيف النهر؟". يضع الطبيب إصبعه على الجرح ويضيف: الشمال الذي فيه 20 ألف مهندس، لا تخصص بلديته سوى 6 مهندسين لمتابعة آلاف المباني الآيلة للسقوط. أين مجلس الإنماء والإعمار؟ وأين مليارات القروض والهبات من تأمين مأوى يحمي أرواح الكادحين؟

 

مبادرات الكنيسة والناس..لا تكفي

أمام غياب الدولة، برزت ومضاتٌ إنسانية؛ مطران طرابلس أعلن بإنسانيته المعهودة فتح جميع مدارس المطرانية لإيواء العائلات المهددة، في خطوةٍ أخجلت السلطة السياسية. كما نشطت مبادرات فردية لتأمين شقق في المنية وببنين. لكن هذه الحلول تظل "حقن تخدير" في جسد مدينةٍ تنزف.

وفي المعهد الفندقي بالميناء، حيث تفترش نحو 40 عائلة أرض غرفه، التقينا سيدة من عائلة "البب" نزحت من ضهر المغر. تقول والدموع تخنقها: "بيتي واقع بالأرض.. الدولة أعطتني 1000 دولار كبدل إيواء، فماذا أفعل بها في ظل إيجارات تصل لـ 500 دولار؟ أنا أكتر الشي خايفة أنو رمضان عالبواب".

 

معالجة قريبة؟

وسط هذا السواد، برزت بارقة أمل من السرايا الحكومية، حيث كشف رئيس لجنة الهندسة في بلدية طرابلس، مصطفى فخر الدين، في اتصالٍ مع "المدن"، عن أجواء "إيجابية ومثمرة" أعقبت اجتماعاً مع رئيس الحكومة. فخر الدين رسم ملامح طريق الحل المقترح عبر مسارين: أولهما إنمائيٌّ يقضي بإخلاء كافة المباني المهددة بالسقوط وتأمين مراكز إيواء بديلة، مع المباشرة بتدعيم ما يمكن إنقاذه من هياكل متهالكة. أما المسار الثاني، فجاء بصبغةٍ مادية تهدف إلى إدراج العائلات المنكوبة ضمن برنامج "أمان" لتوفير دعم مالي يقيهم ذل السؤال.

إلا أنَّ هذه الوعود، ورغم نبرتها المتفائلة، لا تزال تصطدم بواقع التشكيك الشعبي. فحين سألنا فخر الدين عن حقيقة "الأبنية الجاهزة" التي قيل إنها وصلت إلى طرابلس كحلٍّ سريع، نفى الأمر جملةً وتفصيلاً، واضعاً حداً للشائعات، لكنه أكد بلهجةٍ واثقة أنَّ "الحل صار قريباً بإذن الله". 

 

وأمام أبنية تتداعى ووعود تُكرَّر، تصبح السلطة مطالبة إمّا بتحمّل مسؤولياتها فوراً، أو بالاعتراف صراحةً بأنها تترك مدينةً كاملة تواجه مصيرها وحدها.