رياضاتُ الثلج وأخطاؤها: ضحيةٌ في إهدن وشُتول الأرز مهدَّدة

ليست الجرود في فصل الشتاء مجرّد مساحات جغرافية مغطّاة بالثلج، بل هي متنفّس طبيعي يلجأ إليه الكثيرون، ووجهة يقصدونها هربًا من صخب المدن وبحثاً عن الجمال والسكينة. غير أنّ هذا الجمال نفسه قد ينقلب، في لحظة تهوّر أو استخفاف أو عدم تقدير للمخاطر، إلى فخّ قاتل، كما أثبتت الحوادث الأخيرة التي هزّت منطقة إهدن، وأعادت طرح أسئلة حول السلامة العامة والوعي والمسؤولية المشتركة.

خلال فترة زمنية تقل عن 24 ساعة، وقعت حادثتان في إهدن، لا يمكن التعامل معهما كحوادث فردية معزولة. توفي الشاب فؤاد مخول متأثرًا بإصاباته إثر انزلاقه من منحدر أثناء ممارسته رياضة المشي مع عدد من رفاقه بالقرب من جبل السنّ، ونجا آخر بأعجوبة بعد انزلاقه لمسافة نحو 20 مترًا أثناء ممارسته رياضة المشي على الثلج مع عائلته في منطقة المنشرة داخل محمية حرش اهدن. وتعكس هذه الحوادث خللاً في طريقة التعامل مع خطورة الجبال في فصل الشتاء، والربط بين الاستمتاع بالطبيعة والحفاظ على البيئة واحترام قوانين السلامة.

الثلجُ الغادر ومصائد المنحدرات 

تتبدّل هوية الجرود في الشتاء. تختفي المسارات. تطمس العلامات. وتغدو التضاريس أقلّ وضوحاً حتى لأبناء المنطقة. ما يبدو أرضاً مستوية قد يكون طبقة رقيقة من الثلج فوق جليد قاسٍ، أو فراغات خطرة. فالثلج غدّار، وقد تتحوّل المنحدرات إلى مصائد سقوط وانزلاق. ومع ذلك، يصرّ كثيرون على خوض تجربة الرياضات الشتوية، ويتدفّق الزوّار من دون إرشاد كافٍ، وغالباً من دون تجهيز مناسب، أو معرفة حقيقية بطبيعة الأرض، أو حتى الالتزام بالمسارات الآمنة، وكأن الجبل مساحة مفتوحة بلا قوانين.

يقول أحد روّاد المشي في المنطقة، فضل عدم ذكر اسمه: "معظم الحوادث لا تقع في المغامرات الاحترافية، بل خلال النزهات العادية، أو ممارسة هواية التصوير والخروج عن المسارات المعروفة. فأي خطأ صغير، أو خطوة غير محسوبة، تنمّ عن استخفاف الهواة بالمسارات، تؤدي إلى كارثة وتحوّل رحلة الاستمتاع إلى مأساة".

بدورها تعتبر مديرة محمية حرش إهدن ساندرا كوسا أنّ الحل لا يكمن في تقييد الحرية أو منع الناس من زيارة الجبال وممارسة رياضاتهم الشتوية، بل في تعزيز الوعي، وتوفير المعلومات الدقيقة، وتشجيع السلوك المسؤول. 

وشدّدت في حديث إل ى"المدن" على أن سلامة الزوّار مسؤولية مشتركة بين إدارة المحمية والزائر نفسه. ويُفترض بكل زائر تقدير المخاطر المحتملة والالتزام بالإرشادات الواضحة على مداخل المحمية، وتجنّب المغامرة في ظروف قد تعرّضه ومرافقيه وفرق الإنقاذ للخطر، إضافة إلى تحديد الطرق والممرات المسموح بها لتفادي وقوع أي مشكلة.

وشرحت أن إدارة المحمية، بالتنسيق مع البلدية، اتخذت اجراءات خاصة منعت بموجبها سيارات الدفع الرباعي من دخول الجرود انطلاقاً من المحمية، منعاً للحوادث وحفاظاً على سلامة الجميع، لا سيما أنّ عمليات الإنقاذ في هذه الأماكن صعبة جداً ومعقّدة، وتعرّض حياة المنقذين للخطر ايضاً.

وأشارت كوسا إلى أن جرود إهدن مخصّصة حاليًا لنشاطات "عربات الثلج" فقط، مع تحديد واضح لحدود المحمية. ويبقى المشي النشاط الوحيد المسموح به داخل المحمية، وعلى مسارات محدّدة تمنع الإقتراب من الأشجار الصغيرة المغروسة حفاظاً عليها.

ومن موجبات السلامة، مغادرة المحمية قبل تشكّل الجليد وحلول الظلام، أي خلال الدوام الشتوي بين التاسعة صباحاً والثالثة من بعد الظهر، تفاديًا لمخاطر الضباب والرياح والجليد ودرجات الحرارة المنخفضة.

وناشدت كوسا رواد المناطق الثلجية تقدير خطورة الظروف الطبيعية وعدم المشي منفردين أو خارج المسارات المخصصة، وإبلاغ الجهة المعنية قبل التوجّه إلى الجرود. ودعت وسائل الإعلام ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى نقل الأخبار بدقة والتأكد من مصادرها، وتجنب نشر معلومات غير مؤكدة قد تثير الهلع.

 أشجار الأرز الفتيّة تحت رحمة المتزلجين

 في محمية أرز بشري، حيث تتنفس الطبيعة بهدوء، لا توجد انزلاقات مميتة تهدّد البشر، لكن الخطر هنا صامت ومن نوع آخر. فمع كلّ موسم شتاء، تتجدّد معاناة الطبيعة نتيجة تعدّيات تبدو صغيرة، لكنها تتراكم عامًا بعد عام، وتترك آثارًا بالغة على البيئة الهشّة. عربات التزلج والسيارات تخترق طرقات المحمية، وتعبر فوق أشجار الأرز الفتيّة، ما يضعف قدرة النظام البيئي على الإستمرار، ويهدّد آخر ما تبقّى من ثروات لبنان الطبيعية.

وتتحوّل المحمية إلى مساحة مستباحة، ليس بسبب ضعف الطبيعة، بل بسبب ضعف الرقابة والامكانات المحدودة. فحين يخرج هواة التزلج عن بروتوكول أخلاق الترفيه والرياضة، تصبح هذه اللعبة نشاطاً قاتلاً لشتول الأرز التي جهدت لجان حماية البيئة من أجل حمايتها وتوسيع الغابات حول غابة أرز الرب. 

ما بدأ كمتعة شتوية يتحوّل إلى تهديد حقيقي للأجيال المقبلة، كما يقول رئيس لجنة أصدقاء غابة الأرز بسام جعجع. ويعتبر في حديث إلى "المدن" أنّ "الأرز في لبنان ليس مجرد شجرة، بل هو إرث طبيعي ووطني، وأمانة يجب أن نحافظ عليها، وضرورة لاستدامة الحياة في محمية أرز بشري التي تستحق أن تبقى محمية فعلياً، بعيداً عن التعدّيات واللامبالاة".

ويؤكد "أن الأشجار الفتية تحتاج إلى رعاية ووقت لتنمو، وتستعيد الغطاء الأخضر الذي يوفّر الأمان للحياة البرية وللتربة وللإنسان نفسه".

ويشير إلى أنّ "موجة التزلج غير المنظمة تفتك بالمحمية،   من دون أي رادع أخلاقي أو بيئي، ما يفرض على الجميع تحمل مسؤولياتهم تجاه هذه الأمانة الطبيعية. لذا لن نسمح بالتعديات، ونحن نعمل على منعها بالتعاون مع القوى الأمنية، وبلدية بشري، وكافة المخلصين لحماية البيئة". 

وعن صعوبات العمل على الأرض، يشير جعجع إلى وجود ثلاثة حراس فقط، فيما أرسلت البلدية ثلاثة آخرين. ولأن إمكانات وزارة الزراعة محدودة، "تواصلنا مع وزارة الداخلية لتأمين دوريات في عطلات نهاية الأسبوع والأعياد، ونحن متفائلون بتجاوب الوزير معنا".

في محاولة للتوفيق بين الرياضة الشتوية وحماية البيئة، يؤكدّ جعجع أنّه يتم تجهيز مسارات خاصة داخل المحمية لهواة التزلج بالعربات، "فهدفنا ليس إلغاء الرياضة، بل حماية أشجار الأرز، والهواة يتوافدون من مختلف المناطق اللبنانية، ومعظمهم من دون خبرة، في حين أن أهالي المنطقة هم الحراس الحقيقيون للمحمية".

حتى لا تتحوّل المحميات إلى بيئة خصبة للكوارث، المطلوب تنظيم واضح للمسارات الشتوية، وتشديد الرقابة داخل المحميات، وفرض غرامات رادعة على المخالفات البيئية، إلى جانب حملات توعية حقيقية تشرح للزوّار أنّ احترام الطبيعة يبدأ باحترام مخاطرها ومعرفة حدودها.