المصدر: eremnews
الاثنين 29 حزيران 2026 15:22:53
تواصل إدارة الرئيس الأمبركي دونالد ترامب إعادة تشكيل القيادة العسكرية العليا، بعد إقالة أو إحالة أكثر من 20 جنرالاً وأميرالاً إلى التقاعد خلال نحو 15 شهراً، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية والسياسية بشأن مستقبل العلاقات بين القيادة المدنية والمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة.
وكان أحدث المسؤولين الذين شملتهم قرارات الإقالة الجنرال كريس دوناهو، قائد الجيش الأمريكي في أوروبا وأفريقيا وقائد القوات البرية التابعة لحلف شمال الأطلسي، رغم أنه كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المرشحين لتولي قيادة الجيش الأمريكي مستقبلاً.
ومن المقرر أن يسلم دوناهو مهامه خلال مراسم رسمية في ألمانيا مطلع يوليو المقبل، مع ترجيحات بتقاعده من الخدمة، ما لم يقبل بمنصب عسكري أدنى رتبة، بحسب "يوراسيان تايمز".
إعادة هيكلة للقيادة العسكرية
تقول وزارة الدفاع الأمريكية إن القرار يأتي ضمن خطة أوسع يقودها وزير الدفاع بيت هيغسيث لإعادة هيكلة القيادة العليا للقوات المسلحة، وتشمل خفض عدد الجنرالات والأدميرالات بنسبة 10%، وتقليص المناصب العسكرية ذات الأربع نجوم بنسبة 20%، إضافة إلى خفض عدد كبار ضباط الحرس الوطني بالنسبة نفسها.
وتؤكد الوزارة أن الهدف من هذه الإجراءات يتمثل في تعزيز الجاهزية العسكرية وتقليص ما تصفه بالهياكل القيادية الزائدة داخل القوات المسلحة.
لكن هذه الخطوات أثارت انتقادات واسعة من مسؤولين عسكريين سابقين وأعضاء في الكونغرس، الذين حذروا من أن عمليات الإقالة المتكررة قد تؤدي إلى فقدان خبرات عسكرية مهمة، وتراجع الروح المعنوية داخل المؤسسة العسكرية، فضلاً عن تعميق الانطباع بأن الاعتبارات السياسية أصبحت تؤثر في مستقبل كبار الضباط.
إقالات تطال أبرز القادة
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، شهدت القيادة العسكرية الأميركية واحدة من أكبر موجات التغيير في تاريخها الحديث.
وشملت قرارات الإقالة أو الإحالة إلى التقاعد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون، ورئيسة العمليات البحرية الأدميرال ليزا فرانشيتي، ونائب رئيس أركان القوات الجوية الجنرال جيمس سلايف، ورئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، إضافة إلى عدد من كبار المستشارين القانونيين ومدير وكالة استخبارات الدفاع الفريق جيفري كروز.
ولم تقدم الإدارة الأميركية تفسيرات تفصيلية لمعظم هذه القرارات، الأمر الذي دفع خمسة وزراء دفاع سابقين، من إدارات جمهورية وديمقراطية، إلى مخاطبة الكونغرس محذرين من تداعيات ما وصفوه بعمليات إقالة متهورة قد تؤثر في الأمن القومي الأميركي.
يرى مراقبون أن حملة إعادة الهيكلة لا تنفصل عن توجهات إدارة ترامب لإلغاء السياسات المرتبطة ببرامج التنوع والمساواة والشمول التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
وتعتبر الإدارة الحالية أن هذه السياسات أثرت سلباً في جاهزية القوات المسلحة، بينما يرى منتقدوها أن استهداف الضباط الذين ارتبطوا بتطبيق تلك البرامج يفتح الباب أمام تسييس المؤسسة العسكرية وربط الترقيات والقيادات بالولاء السياسي.
صلاحيات دستورية واسعة
من الناحية القانونية، يمنح الدستور الأميركي الرئيس صلاحيات واسعة باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، بما يتيح له إعفاء كبار القادة العسكريين أو إعادة تعيينهم.
كما رسخت المحكمة العليا هذا المبدأ منذ عام 1926، عندما أقرت بحق الرئيس في عزل مسؤولي السلطة التنفيذية دون الحاجة إلى موافقة مجلس الشيوخ.
وشهد التاريخ الأميركي عدة حالات مشابهة، أبرزها إقالة الرئيس أبراهام لينكولن للجنرال جورج ماكليلان خلال الحرب الأهلية، وإعفاء الرئيس هاري ترومان الجنرال دوغلاس ماك آرثر أثناء الحرب الكورية، حفاظاً على مبدأ خضوع الجيش للسلطة المدنية.
ورغم ذلك، يفرض الكونغرس بعض القيود القانونية على إنهاء خدمة الضباط، إلا أن الطبيعة المؤقتة للمناصب العسكرية العليا، خاصة رتبتي الثلاث والأربع نجوم، تمنح الرئيس ووزارة الدفاع صلاحية إعفاء القادة من مناصبهم، وهو ما ينتهي غالباً بإحالتهم إلى التقاعد.
جدل حول الكفاءة والولاء
لا يقتصر الجدل الحالي على الجوانب القانونية، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية.
ويحذر عدد من الخبراء من أن الاعتماد على الاعتبارات السياسية في اختيار القيادات قد يضعف استقلالية المؤسسة العسكرية، ويؤثر في قدرة كبار الضباط على تقديم تقييمات مهنية مستقلة لصناع القرار.
ويستند هؤلاء إلى نظرية عالم السياسة الأميركي صموئيل هنتنغتون، التي تؤكد أن أفضل وسيلة لضمان السيطرة المدنية على القوات المسلحة تتمثل في الحفاظ على احترافية المؤسسة العسكرية واستقلالها المهني، مع خضوعها الكامل للقيادة السياسية في رسم السياسات والاستراتيجيات.
ويرى باحثون أن هذا التوازن قد يتعرض للاهتزاز إذا شعر الضباط بأن مستقبلهم المهني أصبح مرتبطاً بالولاء السياسي أكثر من الكفاءة والخبرة العسكرية.
مخاوف داخل الأوساط الاستراتيجية
ويثير استمرار موجة الإقالات تساؤلات داخل الأوساط الاستراتيجية الأميركية حول انعكاساتها على جاهزية القوات المسلحة، خاصة في ظل تصاعد المنافسة مع الصين واستمرار التوترات في أوروبا والشرق الأوسط.
ويرى خبراء أن فقدان عدد كبير من كبار القادة خلال فترة قصيرة قد يحرم الجيش الأميركي من خبرات تراكمت على مدى عقود، ويؤثر في استقرار القيادة العسكرية خلال مرحلة تشهد تحديات أمنية متزايدة، في وقت تؤكد فيه إدارة ترامب أن إعادة هيكلة القيادة تمثل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى بناء جيش أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة التهديدات المستقبلية.