المصدر: اللواء
الكاتب: صلاح سلام
الأربعاء 18 شباط 2026 08:06:05
يشكّل القرار الحكومي بإقرار زيادات مناسبة للعاملين في القطاع العام، مدنيين وعسكريين عاملين ومتقاعدين، خطوة متقدمة على طريق تصحيح الأجور بعد سنوات من التآكل القاسي في القدرة الشرائية. وهو قرار يحمل بُعداً اجتماعياً ملحّاً، إذ يطال مئات آلاف العائلات التي دفعت أثمان الانهيار المالي من استقرارها ومستواها المعيشي. غير أنّ العدالة الاجتماعية لا تتحقق بزيادة الرواتب وحدها، بل تحتاج إلى رؤية مالية أشمل تعيد توزيع الأعباء بصورة أكثر إنصافاً.
فالواقع يفرض مقاربة واضحة: من استفاد أكثر،يجب أن يساهم أكثر. هنا تبرز أهمية اعتماد نظام ضريبي تصاعدي ضمن حدود مدروسة، يراعي تشجيع الاستثمار من جهة، ويضمن مساهمة عادلة من أصحاب الدخول المرتفعة والثروات الكبيرة من جهة أخرى. فالضريبة التصاعدية ليست إجراءً عقابياً، بل أداة لتحقيق التوازن الاجتماعي وتخفيف الفجوة بين الطبقات، شرط أن تُطبّق بشفافية وعدالة ومن دون استنسابية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل ملف الأملاك البحرية الذي شكّل على مدى عقود نموذجاً صارخاً لعدم التكافؤ بين المنفعة الخاصة والحق العام. إن إعادة النظر في تعرفة الإشغال وتحصيل المستحقات المتراكمة، وفق معايير عادلة وواضحة، من شأنها أن تؤمّن إيرادات مهمة للخزينة، وأن تعيد الاعتبار إلى مبدأ أن الملك العام ليس امتيازاً دائماً بل مسؤولية مالية وقانونية.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند ضريبة البنزين الجديدة وزيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة واحد في المئة. صحيح أن هذين الإجراءين يطاولان مختلف الفئات الاجتماعية من دون استثناء، إلا أن أثرهما الفعلي لا يتوزع بالتساوي. فالضرائب غير المباشرة بطبيعتها تُحمِّل العبء نفسه للجميع بغضّ النظر عن مستوى الدخل، ما يجعلها أكثر وطأة على أصحاب الدخل المحدود، بمن فيهم الموظفون الذين شملتهم الزيادات نفسها. فارتفاع كلفة المحروقات ينعكس مباشرة على أسعار النقل والسلع والخدمات، فيما تؤدي زيادة الضريبة المضافة إلى ارتفاع تدريجي في مجمل الأسعار، ما يقتطع جزءاً من أي تحسّن في الرواتب. من هنا تبرز ضرورة موازنة أي توسيع في الضرائب غير المباشرة بإجراءات أكثر عدالة تصيب الأرباح العالية والاستهلاك الكمالي، حمايةً للقدرة الشرائية للفئات الأضعف.
المعادلة المطلوبة اليوم واضحة: تصحيح الأجور يجب أن يقابله تصحيح في هيكل الإيرادات. فالدولة التي تسعى إلى حماية ذوي الدخل المحدود مطالبة في المقابل بإعادة توزيع العبء الضريبي بما ينسجم مع مبدأ القدرة على الدفع. عندها فقط تتحول الزيادات إلى خطوة مستدامة،نحو العدالة الاجتماعية،لا إلى إجراء مؤقت يهدده العجز أو التضخم.