زيارة سلام للنبطيّة: اختراق نوعي وتباينات الثنائي الشّيعي

معظم المعطيات والوقائع تظهر أن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الأخيرة للنبطية حققت نجاحاً ملحوظاً:
- إذا ما قورنت بزيارته السابقة الخاطفة لزوطر الغربية القريبة من المدينة، وبعدها زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون المختصرة للحاضرة  نفسها.
- وإذا ما قيست بالمشاركة الرسمية عبر حضور وزراء ونواب وقيادات أمنية ومسؤولين رسميين.

- واستطراداً إذا ما قُرئت من زاوية الحضور الجماهيري، وخروج شريحة معتبرة من الأهالي لملاقاة سلام والوفد المرافق.

- يضاف إلى ذلك محطة إيجابية في الزيارة تتمثل في استقبال إمام المدينة المسموع الكلمة وصاحب النفوذ الشيخ عبد الحسين صادق لسلام.
وعليه، يمكن الاستنتاج أن الدولة ممثلة بسلام والوفد الرسمي المرافق، خطت خطوة نوعية ومتقدمة في مجال إثبات الحضور ودرء الاتهامات، وإقناع الناس باستعدادها للعودة إليهم، ومقاربة مطالبهم المتعاظمة ومشكلاتهم المتضخمة والمزمنة، بفعل استمرار العدوان الإسرائيلي على المدينة وقراها.

وعليه أيضاً، وربما هذا هو العنصر الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة، يتبدى نجاح الزيارة في انكسار واضح لجدار العزل والفصل الذي قام بين الدولة والجنوبيين عموماً، الذين كانوا ينظرون إلى الدولة بفعل الخطاب الحزبي المبالغ في معاداتها من خلال ثلاث عيون:

الأولى أنها دولة "متآمرة" عليهم.

والثانية: أنها "مقصّرة" ومتعسّفة بحقهم.

والثالثة أنها "اختارت" طوعاً خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل  في الوقت الذي أسقطت خيار المقاومة.


بناءً عليه، فإن النتائج المحققة للزيارة لا تُقاس بالوعود التي أطلقها سلام في محطات زيارته، والتي قد لا تلفت الأهالي كثيراً ليقينهم بأن الوضع في منطقتهم "كارثي" يحتاج إلى أعوام وإمكانات ضخمة لإعادته إلى ما كان عليه قبل عام 2023، ولإدراكهم أن ما من شيء يثبت أن العدوان الإسرائيلي على وشك أن يتوقف.

وثمة ولا ريب مكسب معنوي مضاف تعتقد الدولة أنها سجّلته للتّو في مرمى  "حزب الله"، من خلال هذه الزيارة وقبلها زيارة عون، ويتجسد في أنها ترد بطريقة غير مباشرة على الخطاب العالي النبرة الذي دأب الحزب على إطلاقه ضد السلطة، خصوصاً بعد التراجع النسبي للهجمات المتبادلة والأنشطة القتالية.

والمعلوم أن هذا الخطاب ركز على اتهام الدولة بالعجز والتقصير والانسحاب من الجنوب ومعاناته.

لذا فإن الدولة سعت من خلال الزيارة إلى إثبات العكس، أو بمعنى آخر القيام بهجوم مضاد على منطق الحزب ودعواه.

وهكذا بدت الزيارة مدروسة بعناية، بدليل أن سلام تحدث عن استعداد الدولة وأجهزتها المعنية لتدشين أكثر من 60 مشروعاً تهمّ الناس.

وبطبيعة الحال ثمة هدف آخر في مرمى الحزب، ويتمثل في الإضاءة على أن الزيارة وجدت احتضاناً وتغطية وقبولاً من شريحة جنوبية وازنة، أي حركة "أمل" التي حضرت مباشرة في الزيارة من خلال أعلى المستويات التمثيلية لها (وزير المال ونائبي النبطية)، وهو وفق تفسير مناهضي الحزب يشكل خرقاً لساحة سياسية كانت إلى الأمس القريب تحرص على إظهار تماسكها.

ولا شك أيضاً بأن ثمة خلفيات أخرى لهذا "الفتح" النوعي، إذ إنها تظهير لتباين الرؤى الذي بدا بين الحزب والحركة، خصوصاً أن الأخيرة بدت أكثر جرأة وشجاعة في إظهار تمايزها وافتراقها عن الحزب حيال الكثير من القضايا.

وعليه، يتحدث العارفون بأن الرئيس بري وحركته سجلا برعايتهما الزائدة لجولة سلام في النبطية دلائل إضافية إلى تعاظم التباين والافتراق بين طرفي الثنائي الشيعي، وأن هذه الواقعة ستكون منطلقاً للمزيد.

لذلك ثمة في الحزب من يسأل: لماذا اختار سلام أن يحضر إلى النبطية بعد أقل من 36 ساعة على عودته من زيارته الأميركية الطويلة، وسماعه خطاباً أميركياً مفاده أن المطلوب من الحكومة خطوات أكبر في مجال "منافسة" الحزب على بيئته وبحره البشري الذي اعتاد السباحة في خضمّه. وفي الموازاة فإن الواضح أنه لم يكن لدى الحزب ما يبرر له دعوته إلى مواجهة الزيارة وإبطال مفعولها في وقتها، وهو الذي يرفع صوته يومياً مطالباً الدولة بفعل يدعم الأهالي، لذا فإن السؤال بات عن طبيعة رد الحزب على الزيارة لاحقاً.