سفير مصر:لبنان لا يفاوض إلا موحداً وتجربتنا بتصرفه

ينطلق السفير المصري لدى لبنان الدكتور علاء موسى من ثابتة أساس، لأي شكل من أشكال التفاوض مع إسرائيل، هي وحدة موقف لبنانية تحمي لبنان وتعزز موقعه التفاوضي. فلبنان الذي يمر بمرحلة دقيقة ومعقدة، تتداخل فيها التحديات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية، لا يمكن لأي مسار تفاوضي مقبل أن ينجح إلاّ إذا انطلق من مقاربة حكيمة، بما يحمي حقوق لبنان ويعزز موقعه على طاولة التفاوض. ويكشف في هذا السياق أن الرئيس اللبناني جوزاف عون لن يذهب إلى التفاوض إلا إذا كان معه وحدة موقف، يستطيع من خلالها أن يعود بحقوق لبنان التي سُلبت منه في الفترة الأخيرة. 

ويشير موسى في حديث مع "المدن" إلى وجود عمل داخلي جدي يهدف إلى بلورة موقف لبناني موحد، ناصحاً لبنان بـ"بذل مجهود على الجبهة الداخلية لتحصينها"، فهذا ما يدعم موقفه في المفاوضات، "وحينها فقط سيقرر لبنان ما هو شكل هذا التفاوض"، بحيث أن الشكل والمستوى يبقيان تفصيلاً يقرره لبنان في الوقت المناسب، بعد استكمال التحضير الداخلي وترتيب الأولويات، معتبراً أن الأولوية الملحة اليوم تتمثل في التوصل إلى وقف كامل ودائم لإطلاق النار. 

وفي حوار مطول يجيب موسى على أسئلة ترتبط بالهواجس المصرية تجاه المرحلة المقبلة، وأي تصور لمسار حصرية السلاح تؤديه مصر، وما إذا كان لبنان يخالف الإجماع العربي في حال رفع سقف التفاوض من مستوى السفراء إلى مستوى السفراء. وما إذا كان ينصح لبنان بالسير بالتفاوض منفرداً، أم في سياق مرتبط بالمفاوضات بين أميركا وإيران. كما يجيب على ما يتعلق بالتقارب مع الموقف السعودي تجاه لبنان، أين يتقاطع معه وأين يتباين؟ وهل بإمكان لبنان أن يسحب ضمانة أميركية بإنهاء الحرب على لبنان بشكل حاسم. 

 

يتحدث موسى بداية عن قرار الحكومة اللبنانية بالانخراط في المفاوضات من أجل حصول لبنان على حقوقه كاملة، معتبراً أنّ "هذا المسار سيجد الدعم من كل أصدقاء لبنان. ونحن في مصر ندعم الموقف وأي محاولة للاستفادة من الجو العام الدولي، خصوصاً أنّ هناك انخراط أميركي مباشر في ملف لبنان، وعلى لبنان أن يستفيد منه لتقليل العقبات".  ويعيد التأكيد على وحدة الموقف أولاً ثم المفاوضات، "لذا نأمل في المرحلة المقبلة أن يكون هناك عمل أكبر على الداخل اللبناني"، ورداً على سؤال حول التباين في لبنان حيال المفاوضات، خصوصاً على مستوى الرئاسة الثانية، حيث يعلن الرئيس نبيه بري بشكل واضح عن رفضه التفاوض المباشر، يقول: "أعتقد أن هناك رغبة حقيقية لدى الأطراف سواء أكان الرئيس جوزاف عون أو رئيس الحكومة نواف سلام أو رئيس مجلس النواب نبيه بري، بأن يكون هناك جبهة موحدة للبنان. وبالنسبة إلى الرئيس البري، ففي الحقيقة، في مواضع عدة، كانت لديه وجهة نظر واضحة بأنّه يبحث عن وقف دائم لإطلاق النار في لبنان، ومن ثم يبدأ في الخطوات التي تليها. في المقابل، فإنّ العنوان الرئيسي لمبادرة الرئيس عون هو وقف إطلاق النار أولاً، ثم الذهاب إلى نقطة أخرى فالآن ومع هذه الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، لابد من أن يكون هناك حديث بسرعة وضروري عن كيف نصل إلى وقف إطلاق نار دائم في لبنان".

وفيما يتعلق بالمخاوف من أن يُدفع لبنان إلى خيارات لا يريدها أو إلى اتفاق لا ينسجم مع مصالحه الوطنية والعربية، ينفي موسى هذه الهواجس، مؤكداً ثقته بالقيادة اللبنانية وقدرتها على حماية المصلحة الوطنية وعدم الانجرار إلى أي مسار لا يحظى بقبولها أو يتعارض مع ثوابتها.

ورداً على سؤال عما إذا كان ينصح لبنان بالتفاوض بشكل منفرد أو ضمن سياق المفاوضات الأميركية – الإيرانية، يجيب "في الحقيقة طبعاً هناك تأثير لمجريات التفاوض بين أميركا وإيران، وما نسعى إليه هو أن يكون التأثير إيجابي، بحيث يدفع لبنان تجاه مساره الذي اختاره وهو تقرير مصيره وقراره يكون بيده، لكن حتماً لا يمكن أن نتحدث عن فصل تام في المسارات".

 

تحذيرات مصر للبنان 

كما تناول موسى ملف حصرية السلاح، مشدداً على أن الهدف واضح ويتمثل في أن تكون الدولة اللبنانية وحدها صاحبة القرار والسيطرة على السلاح، لكن تحقيق ذلك يجب أن يتم عبر الحوار والتفاهم، وبما يحفظ الاستقرار الداخلي ويحول دون أي انعكاسات سلبية على الوضع المحلي. لا يخفي السفير المصري تخوفه من أن يتحول شكل نزع السلاح إلى أزمة داخلية، ولكنه ينفي في المقابل ما أُشيع عن تحذيرات أوصلتها مصر إلى لبنان بشأن التخوف من مشكلة داخلية بما يتعلق بالمفاوضات ونزع السلاح. 

يقول موسى: "نحن لا نقدم تحذيرات ولا نصائح، ولكن عندما تستطلع الدولة اللبنانية رأينا، فلن نبخل عليها، خصوصاً أن لمصر تجربة مع إسرائيل، وبالتالي نحن نقول ما هو الأفضل للبنان بناء على تجربة مصر الشخصية".

 

كيف يمكن تطبيق حصرية السلاح؟ 

فماذا لو طلبت أميركا من لبنان بالقوة العسكرية عبر الجيش اللبناني أن يتم سحب سلاح حزب الله؟ يعيد موسى التأكيد "هذا قرار الدولة اللبنانية"، ولكن هل يخيفكم الأمر؟ يجيب: "هنا يجب أن يكون السؤال كيف يمكن تطبيق حصرية السلاح"، ويشير إلى أن الخطة التي سبق اعتمادها في جنوب الليطاني يمكن البناء عليها، بعد تطويرها ومعالجة الثغرات التي ظهرت خلال تطبيقها، لتشكل قاعدة صلبة لأي مقاربة مستقبلية في هذا الملف. ويتابع: "تطبيق حصرية السلاح تتم فقط من خلال النقاش والحوار وأيضاً الوصول إلى صيغة. هذه الصيغة تؤمن حصرية السلاح بدون حدوث أي شيء يمكن أن يؤثر على الوضع الداخلي في لبنان".

 

ما هي هذه الصيغة التي تتحدث عنها؟ يجيب موسى: "أعتقد أن الدولة اللبنانية الآن تجهز خطتها للتعامل مع الوضع في المستقبل، خصوصاً ملف حصرية السلاح. لأنه عندما تبدأ المفاوضات الحقيقية، سيقدم الطرفان أشياء ويحصلان في المقابل على أشياء أخرى. وبالتالي، إذا تحدثنا عن الطرف الإسرائيلي، سيطلب ضمان أمن إسرائيل. وضمان أمن إسرائيل لن يتأتى إلا بأن توقف إسرائيل أولاً عدوانها على لبنان، وثانياً أن يكون قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية. وعندما تجلس على طاولة المفاوضات، يجب أن تقدم خطة يتم من خلالها احتواء السلاح أو السيطرة على السلاح أو حصرية السلاح. وتكون هذه الخطة خطة واقعية وقابلة للتطبيق".

ويؤكد موسى أن "الدولة الآن تدرس الأمر، لأنها لن تذهب إلى مفاوضات إلا ومعها خطة واضحة قابلة للتطبيق. في هذه اللحظة يتم التفاوض بكيف نطبق ومن يمكن أن يساعدنا في هذا الأمر".

ويضيف: "الخطة الأولى لحصرية السلاح في جنوب الليطاني، يمكن أن تصبح أساس للعمل. لكن مطلوب بعض التعديلات والأمور التي أولاً تستجيب للهواجس التي تطرحها. وأيضاً تعالج بعض النواقص التي ظهرت من خلال تطبيق المرحلة الأولى".

 

تقاطع وتباين مع السعودية 

ورداً على سؤال حول وجود تباين بين موقف السعودية ومصر بخصوص المفاوضات وحصرية السلاح، حيث إنّ مصر تتحدث عن استيعاب السلاح، فيما تشير السعودية لنزع السلاح، يجيب موسى قائلاً: "بمفهومي، كل المصطلحات المستخدمة، تصب في معنى واحد، أن الدولة اللبنانية هي من يسيطر على السلاح في أي دولة في العالم. نحن نتفق والمملكة العربية السعودية على الثوابت فيما يتعلق بالملف اللبناني، وهي ثوابت تتلاءم إلى حد كبير جداً مع خطاب القسم والبيان الوزاري الحكومي. بالعناوين الرئيسية بسط سلطة الدولة على كل أرجائها، وبأن هذه الحرب يجب أن تكون آخر الحروب وأيضاً حصر السلاح يجب أن يتم في كل أرجاء لبنان".

 

دور مصر في تهدئة الأمور على خط بعبدا- عين التينة

ورداً على سؤال عما إذا كان لمصر دوراً في إعادة تلطيف الأجواء بين عين التينة وبعبدا، وهل هناك اتصالات مع مستوى الرئاستين؟ ينطلق موسى بالحديث انطلاقاً من تجربته الشخصية مع الرئيسين، "أنا شاهدت كيف يتم التعامل وكيف ينسق الرئيسان مع بعضها، والقنوات بينهما مفتوحة أكثر مما تعكسه وما يتم تداوله في وسائل الإعلام. العلاقة جيدة بينهما وكذلك مع رئيس الحكومة نواف سلام. فقط يجب أن نعرف بعض الأمور ونتفق عليها لأن في الحقيقة ما هو قادم أصعب والتحديات أكبر". ويؤكد: "بتقديري الشخصي، فإنّه على المستوى القريب وليس البعيد، سوف يتم الوصول إلى وحدة الموقف، ونحن نقول إنّ هذا الأمر سيكون عمود أساسي في العملية التفاوضية في المستقبل".

ولكن هل يستطيع لبنان أن يسحب ضمانة أميركية بإنهاء الحرب على لبنان بشكل حاسم، خصوصاً أن أميركا تعطي لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها؟ يجيب: "كلما أثبت لبنان لأميركا جدية في التعاطي واقتراح أفكار قابلة للتحقيق، كلما جذب لبنان الولايات المتحدة للاقتناع بالأفكار، وهذا سيساعد في الحصول على دعم أميركا لكي تؤمن الطريق وتعبده في المسار التفاوضي. دعونا نستفيد من الانخراط الأميركي، وليسارع لبنان إلى تقديم أفكار منطقة وقابلة للتطبيق".