المصدر: المدن
الكاتب: نغم ربيع
الخميس 17 أيلول 2026 00:50:02
منذ بداية جلسة مساءلة الحكومة وحتى ختامها، بدا رئيس الحكومة نواف سلام مدركاً لكيفية إدارة حضوره السياسي أمام مجلس النواب. لم يدخل في سجالات مباشرة مع النواب، ولم يتعامل مع المداخلات باعتبارها مواجهة شخصية أو محاولة لإسقاط حكومته، بل اختار تقديم حصيلة عمل حكومته ووضعها في سياق الظروف التي تولّت فيها مهماتها، ولا سيما الحرب وتداعياتها.
بهذا المعنى، تعامل سلام مع الجلسة من موقع المسؤولية، مقدماً ما يشبه "مضبطة رد" على مداخلات النواب، من دون الانجرار إلى السجالات التي طبعت يومي النقاش. وفي كلمته الختامية، أقرّ بأن واقع البلاد "صعب جداً"، مشيراً إلى أن الحكومة كانت تدرك حجم التوقعات التي رافقت تأليفها، لكنها اصطدمت، بحسب تعبيره، بـ"واقع صعب زادته الحرب صعوبة".
وفي معرض دفاعه عن أداء الحكومة، لم يدّعِ سلام أن النتائج التي كانت مأمولة قد تحققت. وعلى العكس، أقرّ بأن مسار ما سمّاه "الإطار الثلاثي" لم يصل بعد إلى النتائج المنشودة، قائلاً إن الاعتداءات لم تتوقف، وإن إسرائيل لم تنسحب من كامل الأراضي اللبنانية، وإن عدداً كبيراً من الأسرى لا يزال محتجزاً، فيما لا يزال كثير من اللبنانيين عاجزين عن العودة إلى بلداتهم وقراهم.
لكن سلام شدد في المقابل على أن المسار التفاوضي لم ينتهِ، في رسالة مفادها أن الحكومة لا تزال تعمل على المسار السياسي والدبلوماسي، حتى وإن لم تترجم المفاوضات نتائج ميدانية حتى الآن.
ومن هنا، بدا أن سلام اختار مواجهة الانتقادات من خلال عرض الوقائع والظروف المحيطة بعمل حكومته، لا من خلال الدخول في مبارزة سياسية مع النواب. وبعد يومين من النقاشات والسجالات، خرج من الجلسة بموقع القوة وقد تجددت الثقة بحكومته للمرة الثالثة.
ثلاث ثقات خلال سنتين
نالت حكومة نواف سلام الثقة للمرة الثالثة منذ تشكيلها. المرة الأولى كانت عند تأليفها ونيلها الثقة النيابية، ثم في تموز 2025، عندما طرح رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل الثقة بالحكومة، واليوم مجدداً، بعدما عاد باسيل وطرح الثقة في ختام جلسة مناقشة الحكومة.
وكان "التيار الوطني الحر" أكثر وضوحاً في تثبيت موقعه المعارض للحكومة. فلم يكتفِ باسيل بتوجيه انتقادات واسعة إلى أدائها، بل ذهب إلى طرح الثقة بها، في خطوة أراد من خلالها وضع النواب أمام مسؤولياتهم السياسية. بهذا المعنى، بدا طرح باسيل للثقة محاولة لإعادة تحميل القوى السياسية التي تمنح الحكومة الغطاء النيابي مسؤولية النتائج التي ستترتب على استمرارها، في مقابل تثبيت موقف "التيار" كطرف معارض لها.
وحضر الجلسة المسائية 82 نائباً، فنالت الحكومة 68 صوتاً، مقابل 12 صوتاً ضدها، فيما امتنع نائبان عن التصويت، هما حليمة قعقور وجهاد الصمد.
وقبيل طرح الثقة، غادر نواب "حزب الله" قاعة مجلس النواب، فيما صوّتت "حركة أمل" لمصلحة الحكومة. وفي هذا السياق، قال النائب قبلان قبلان، في معرض تعليقه على التصويت "مع الأسف، مع".
أما نبيه برّي، الذي كان قد طُلب منه الحرص على بقاء رئيس الحكومة وعدم تحويل الجلسة إلى مواجهة تؤدي إلى إسقاطه، فبدا أنه نقل هذه المعادلة إلى إدارة الجلسة ومواقف نواب "حركة أمل". فجاءت مداخلاتهم موزعة على ملفات مختلفة، من التربية إلى الجنوب، من دون رفع سقف المواجهة السياسية أو الذهاب نحو اشتباك مباشر مع الحكومة.
وكان ذلك واضحاً في مداخلة المعاون السياسي لبرّي، علي حسن خليل، الذي قال في كلمته الثلاثاء، "قد نختلف في السياسة وفي قراءة المخاطر، وقد تبلغ الاختلافات حدّاً، لكن لا يجوز أن يتحول الاختلاف السياسي إلى قطيعة وإلى تحريض بين اللبنانيين". وهي عبارة عكست، في مضمونها، حرصاً على إبقاء الخلاف السياسي ضمن حدوده، وعدم تحويله إلى قطيعة بين القوى السياسية أو إلى مواجهة مفتوحة داخلية.
"حزب الله": لن نسكت
على مدى يومين، تحدث نحو 59 نائباً، فتعددت العناوين من التربية والاقتصاد والضرائب إلى الوضع الأمني والسياسي. إلا أن الثقل الأكبر بقي في الملفات المرتبطة بالحرب والجنوب والسلاح وحصرية القرار السيادي. أخذ ملف الجنوب و"حزب الله" الحيز الأكبر من النقاش خلال جلسات مساءلة الحكومة، ولا سيما أن المداخلات تحولت، على مدى الجلسات الثلاث، إلى محاولة واضحة لتحميل الحزب مسؤولية ما يجري في الجنوب وتداعيات العدوان الإسرائيلي.
وبدا "حزب الله" مستعداً لهذه المواجهة، فاتخذ نوابه موقع الدفاع السياسي، ورفعوا سقف ردهم على الانتقادات الموجهة إلى المقاومة وسلاحها. وكانت الرسالة الأساسية في مداخلاتهم أن الحزب لن يقبل بأن يتحول النقاش حول الحرب والاعتداءات الإسرائيلية إلى تحميله وحده مسؤولية ما يجري في الجنوب.
وقد عبّر النائب حسين الحاج حسن عن هذا الموقف بوضوح، قائلاً "بدنا ندافع، عم يهاجمونا وما رح نسكت".
وفي المقابل، وجّه نواب الحزب انتقادات مباشرة إلى الحكومة، معتبرين أنها لا تقوم بما يكفي في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، ومطالبينها بتحمل مسؤولياتها في حماية لبنان ومواجهة تداعيات الحرب.
لكن اللافت أن هذا التصعيد تجاه الحكومة لم يصل إلى حد المطالبة بإسقاطها. فالحزب بدا حريصاً على إبقاء المعادلة في إطار الضغط السياسي: الاعتراض على أداء الحكومة، وتسجيل التحفظات على مقاربتها لملفات الجنوب والسلاح والتفاوض وإعادة الإعمار، من دون الذهاب إلى خيار إسقاطها.
فقد غادر نواب "حزب الله" قاعة مجلس النواب قبيل طرح الثقة على الحكومة الممثلين فيها، فالحزب لم يكن في وارد منح الحكومة الثقة، لكنه في الوقت نفسه لم يذهب إلى التصويت ضدها. وبذلك، اختار الحزب موقعاً وسطياً بين الخيارين، لا يمنح الثقة، ولا يصوّت لحجبها. خروج نوابه من القاعة أبقى موقفهم الاعتراضي واضحاً، من دون أن يتحول هذا الاعتراض إلى مواجهة هدفها إسقاط الحكومة.
انقسام واضح... من دون تغيير في المعادلة
تكشف حصيلة اليومين أن الانقسام السياسي في لبنان لا يزال عميقاً، وأن الملفات الأكثر حساسية ما زالت قادرة على تفجير السجالات نفسها، من السلاح والجنوب إلى التفاوض وإعادة الإعمار والعلاقة بين الدولة و"حزب الله".
لكن، رغم حدّة النقاش، فقد عادت معظم القوى إلى مواقعها السياسية نفسها، بعدما أظهر كل طرف موقفه وحدود قدرته، واستعرض أوراق قوته أمام جمهوره والعدسات، قبل أن يغادر الجميع الجلسة من دون تبدّل جوهري في التموضع.
بهذا المعنى، تحولت الجلسة إلى مساحة لإعادة تثبيت المواقف أكثر منها محطة لإعادة رسم المشهد السياسي. كل طرف استخدم منبر المجلس لتسجيل موقفه وإبراز حضوره أمام بيئته السياسية، لكن أياً من الأطراف لم يتمكن من فرض تغيير في موازين القوى أو فتح مسار جديد في الملفات الخلافية.
والأهم أن حجم السجالات لم يوازِ حجم الحلول التي خرجت بها الجلسة. فقد حضرت معظم الأزمات على طاولة البرلمان، وتداخلت الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، لكن النقاش بقي في معظمه عند حدود التشخيص وتبادل المسؤوليات، من دون أن يتحول إلى مسار واضح لمعالجة هذه الأزمات.
ولم تخلُ الجلسة من مفارقة الكهرباء، التي انقطعت مرتين داخل القاعة العامة. جاءت الأولى خلال كلمة رئيس الحكومة نواف سلام، وبعد دقائق من تطرقه إلى ملف الكهرباء، حيث أشار إلى إنفاق أكثر من 24 مليار دولار على دعم إنتاج الطاقة، فيما لا يزال المواطن يدفع فاتورتَي مؤسسة كهرباء لبنان والمولّد الخاص أما المرة الثانية، فجاءت في اللحظة التي كان فيها نبيه برّي يعلن نتيجة التصويت على الثقة بالحكومة، فما كان منه إلا أن علّق: "يي مرة تانية".
وهكذا، انتهت جلسة المساءلة من دون تسوية سياسية جديدة، ومن دون تغيير في مواقع القوى، فيما بقيت الملفات نفسها مفتوحة على مزيد من النقاش والاشتباك السياسي.