​سنة أولى للبابا لاوون: صلاة "الواتساب" وصخب ترامب

دخل البابا لاوون الرابع عشر سنته الأولى كمن يقتحم أعرافاً فاتيكانية يابسة. لم يكتفِ بهزّ رتابة البروتوكول، بل ذهب إلى حيث لا تجرؤ الديبلوماسية. في جنوب لبنان، حيث الأرض تهتز بالعنف، لم ينتظر الكهنة بياناً رسمياً من "الدوائر المختصة". جاءهم الراعي الأبيض فجأة، صوتاً وصورة عبر شاشة "الواتساب". تلك الابتسامة الهادئة خلف زجاج الهاتف الصغير لم تكن مجرد طقس ديني، بل رسالة إنسانية بليغة: لبنان ليس مجرد "ملف" في أدراج الفاتيكان، بل هو نبض يومي في صدر داعية السلام البابا لاوون.

 

​الصدام الحتمي

المفارقة هنا فاقعة. في عام 2025، وجد العالم نفسه أمام قطبين يسكنان كوكبيْن متباعديْن: بابا يسوعي الروح وأوغسطيني الانتماء، ورئيس "تويتري" عاد إلى البيت الأبيض ليرسّخ منطق القوة. كلاهما يحمل الجنسية الأميركية، لكن شتّان بين واشنطن ترامب وروما بريفوست.

​في السنة التي عبرت، هوت العلاقات بين الطرفين إلى قاعٍ لم تبلغه منذ نشوئها عام 1984. واهمٌ من اعتقد أن انتخاب الكاردينال روبرت بريفوست جاء لأنه "الأقل أميركية". الحقيقة التي صدمت الجميع هي أنه "أميركي بابا" بامتياز، يحمل في جيناته رفض "تأليه القوة" ويحرض مواطنيه في أميركا على انتزاع السلام انتزاعاً.

 

​لاهوت القوة

انفجر اللغم حين حاولت إدارة ترامب استدراج "بركة" فاتيكانية لحروبها المفتوحة في الشرق الأوسط. ظنوا أن خلفية البابا الوطنية ستجعله مجرد صدى لمطالب البيت الأبيض. لكن لاوون الرابع عشر آثر أن يكون صدى لموعظة الجبل. وعندما حاول "الكاثوليك الجدد" في الإدارة، من ماركو روبيو إلى جي دي فانس، إعطاء دروس في "شرعية الحرب وفق لاهوت الكنيسة القديمة"، جاءهم الرد الصاعق من خلف الجدران العتيقة: "البابا لا يتلقى دروساً في اللاهوت من أحد". انتهى النقاش هنا. لا صكوك غفران لمغامرات ترامب في الصين أو روسيا، ولا غطاء لقلب الطاولات في كوبا المنهكة.

 

​مهرجان الإهانات

أمام هذا الثبات، لم يجد ترامب سوى سلاحه المعتاد: "مهرجان إهانات" طال الحبر الأعظم وأحدث "نقزة" حقيقية في ماكيناته الانتخابية. فالهجوم على البابا في الولايات الكبرى ليس مجرد سقطة لسان، بل هو محاولة انتحار سياسي وحّد الكنيسة الكاثوليكية الأميركية خلف راعيها، وأعاد إليها الروح بعد سنوات من الفضائح والترهل. حتى في أوروبا، وجد ترامب نفسه معزولاً. إذ لم يجرؤ أحد على مجاراته، حتى جيورجيا ميلوني، "صديقة ترامب"، وصفت تطاوله بأنه غير مقبول.

 

​البطة العرجاء

اليوم، تبدو زيارة ماركو روبيو إلى روما مناورة أخيرة للهرب من "كارثة" انتخابية تلوح في أفق 3 تشرين الثاني. يدرك "الداهية" روبيو أن مواجهة البابا خاسرة، فالبابا ليس حزباً سياسياً بل مرجعية أخلاقية تخطت حدود المذاهب، لتجذب احتراماً في قلب أميركا نفسها، في أوساط لم تكن يوماً صديقة لروما.

​بين شعار "أميركا أولاً" الفضفاض، وبين صرخة "الإنسان أولاً" التي يطلقها لاوون الرابع عشر، تنطلق السنة الثانية للبابوية. الخلاصة واضحة: تلك "النعومة" التي ظهرت في مكالمة واتساب مع كهنة جنوب لبنان، هي القوة الحقيقية التي ستبقى. أما صخب ترامب، فليس أكثر من ظاهرة عابرة في كتاب تاريخ يقلّب الفاتيكان صفحاته منذ ألفي عام.