سوريا تحصّن لبنان بمشروع التكامل: لئلا يتفرد نتنياهو بالجميع

ثمة مسار إقليمي يمكن أن يُبنى عليه في المنطقة. مسار تحكمه المصلحة بالحد الأدنى، يمكنه أن يكون مشروعاً في مواجهة مشروع إسرائيل وبنيامين نتنياهو. من مسار التفاوض الإيراني الأميركي، إلى المساعي الإقليمية للدخول في مسار مصالحة ومكاشفة بين دول الخليج العربي وإيران، يبقى نتنياهو هو صاحب المصلحة في التخريب، لأن أي تفاهمات ستؤثر عليه سلباً وتقضي على مسيرته السياسية، الرجل يتحضر للانتخابات ويريد مواصلة الحروب للفوز فيها، كما يريد استمرار العمل على تقسيم المنطقة إلى محورين، وتجزئة المحور المقابل والاستثمار بخلافات دوله وصراعاتها، كي يتمكن من التسيد، والتوسع. 

 

مشروعان

تنقسم المنطقة بين مشروعين أو محورين. كل منهما يحاول استجماع قدراته وقوته وبناء تحالفته. فالحرب هدفها تغيير وجه المنطقة، وعقائد مجتمعاتها وجيوشها. أكثر ما تريده إسرائيل هو دمج الدول بها، أو استقطابها عبر استفرادها لوضعها في مواجهة دول أخرى، كما حاولت أن تفتعل بين لبنان وسوريا، فأولاً أرادت تل أبيب التفاوض مع دمشق وإيهام الجميع بأنها على مقربة من إبرام الاتفاق الأمني، للضغط على لبنان واستدراجه أيضاً. وحاولت أن تدخل سوريا ولبنان في سباق حول من يتفق معها قبل الآخر، وبعدها أشاعت مسألة التلويح بالدخول العسكري السوري إلى لبنان لدفع الأخير إليها والتفاهم معها. والآن، تريد البناء على اتفاق الإطار للضغط على سوريا أكثر. 

 

الاتفاق سرّع الزيارة

ذلك ما تنبهت له دمشق منذ البداية، وربما سرّع اتفاق الإطار من زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، وهذا ما يسهم في رسم الصورة بشكل أوضح، أن المنطقة تنقسم بين مشروعين، الأول هو المشروع الإسرائيلي الذي يريد توسيع الاحتلالات وقضم المساحات، وتكريس التدخلات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية. والمشروع الثاني، قيد التبلور لكن دمشق تجد نفسها في صلبه، وهو يقوم على التكامل الإقليمي، بما يجعل سوريا نقطة تقاطع استراتيجية فيه، بين تركيا، باكستان، السعودية، قطر، مصر، ودول أخرى سياسياً، إضافة إلى مشروع تكامل اقتصادي، عنوانه البحار الأربعة، وهو يربط الخليج بالمشرق العربي بتركيا وروسيا وأوروبا. وهذا المشروع يتعارض بشكل كامل مع المشروع الإسرائيلي ومطامع تل أبيب التوسعية. 

 

التكامل مع لبنان

زيارة الشيباني تهدف إلى الإضاءة على المشروعين، ومحاولة للبناء على فكرة التكامل مع لبنان، ليبقى ضمن المحور الثاني، وهو ما يلتقطه جيداً كل من نبيه بري ووليد جنبلاط، اللذان يلتقيان عند نقطة استراتيجية ومركزية، أنه في الخيار بين إسرائيل وسوريا، فالأنسب إلى لبنان هو التحالف مع سوريا. ومن هنا تأتي كل الاعتراضات على اتفاق الإطار وإمكانية الوصول إلى اتفاق نهائي مع إسرائيل، لأن ذلك سيضع لبنان خارج سياقه التاريخي والطبيعي. وهنا هدفت زيارة الشيباني إلى التركيز على الانفتاح بين البلدين وحماية بعضهما بعضاً، وبناء التعاون في مجالات مختلفة. 

 

من دولة إلى دولة

يمكن للزيارة أن تؤسس لمسار جديد في العلاقات اللبنانية السورية من خلال توقيع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين. وذلك خلال الزيارة الثانية التي أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، التي وجه فها دعوتين لزيارة دمشق لكل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. الاتفاقية هي مأسسة للعلاقة بين لبنان وسوريا ووضعها في الإطار الصحيح، بينما تأتي الزيارة رداً على كل ما أثير حول تدخل سوري في لبنان، وسط تشديد من المسؤولين السوريين على تطوير العلاقة من دولة إلى دولة، وهو ما يعزز منطق الترابط اللبناني السوري بما يعود بالاستفادة على لبنان في مجالات الاقتصاد والتجارة والترانزيت، وإعطاء دفع قوي للدور الذي يمكن أن يلعبه مطار القليعات وتستفيد منه سوريا. 

 

الظروف تغيرت

أصر الشيباني على إزالة وتبديد كل الأجواء التي حاولت تخويف لبنان من سوريا الجديدة أو لعب دمشق لأي دور عسكري ضد أي طرف لبناني وهو ما انعكس في التصريحات والمواقف ولا سيما موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، كما أن دمشق تعتمد مبدأ تصفير المشاكل مع مختلف الدول والقوى، وعرضت مساعدة لبنان في ملفات مختلفة، مع القوى الدولية والإقليمية. ولا تخفي المصادر المتابعة أن الشيباني عرض على لبنان مساعدته في مواجهة الضغوط التي يتعرض لها في ملف السلاح، ولكن مقابل العمل اللبناني الجدي لأجل الوصول إلى حصر السلاح بيد الدولة وتطبيق اتفاق الطائف على قاعدة الحوار بين اللبنانيين والتفاهم، والاقتناع بأن الظروف كلها تغيرت، وفتح الشيباني مجالاً لتواصل مستقبلي مع حزب الله إذ قال رداً على سؤال إن سوريا منفتحة على لقاء الحزب إذا كان ذلك يصب في مصلحة البلدين، وهو ما يمكن للحزب التقاطه والبناء عليه أيضاً.