"سيناريوهات متناقضة" تتحكم بالمنطقة: ترامب يسعى لوقف الحرب ونتنياهو يريد العكس!؟

في موازاة الفشل الذي منيت به الديبلوماسيتان الباكستانية والقطرية في التوصل إلى اتفاق ينظم الحركة في مضيق هرمز قبل استئناف المفاوضات بشأن الملفين النووي والصاروخي الإيرانيين، وما أن ألقت "طاولة روما 2" أوزارها حتى وجهت الإدارة الأميركية موفديها من القادة العسكريين الى المنطقة، وقد تجلى ذلك بوصول قائد المنطقة الوسطى الأميركية "سنتكوم" الادميرال براد كوبر الى تل أبيب أمس السبت لعقد لقاءات مع كبار المسؤولين بالجيش الاسرائيلي، للبحث في المرحلة الانتقالية الجاري تنفيذها  في قطاع غزة، بالإضافة الى سيناريوهات التعامل مع إيران.

وكان لافتا ان هذه الزيارة سبقت واحدة مكملة لها بأيام قليلة بعد ان أبلغ رئيس الجمهورية جوزاف عون أول أمس الجمعة أعضاء مجلس الوزراء عن وصول رئيس لجنة "الميكانيزم" الجنرال جوزف كليرفيلد إلى بيروت في الأيام المقبلة لاستئناف البحث ببعض القضايا التي بوشر البحث بها في روما، ولا سيما مسألة وقف إطلاق النار و"المناطق التجريبية" التي وعدت الإدارة الأميركية بمعالجتها في وقت قريب، عدا عما سماه "التقدم الإيجابي في مسألتي الحدود والأسرى خلال المفاوضات".

على هذه الخلفيات، فسرت مراجع ديبلوماسية وسياسية واسعة الاطلاع هذه الخطوات الأميركية بأنها تأتي في السياق المتوقع من ضمن المقاربة الأميركية الجديدة التي فرضتها التطورات الجارية في مناطق التوتر كافة من مضيق هرمز الى جنوب لبنان والمستجدات في غزة بعد انطلاق البرنامج الخاص الذي اقره مجلس السلام على مستوى تسلم "الإدارة المؤقتة" للقطاع التي انتظرت طويلا الموافقة الاسرائيلية للانتقال اليها من مركزها المؤقت في القاهرة، والتي صدرت بداية الأسبوع الماضي ومعها تسلم "الشرطة الفلسطينية الجديدة" مهامها تمهيدا لتشكيل "القوة الأمنية المستقلة" من مجموعة الدول التي وافقت على عضوية مجلس السلام الذي شكله الرئيس دونالد ترامب بعد "قمة شرم الشيخ للسلام" عام 2025.
وانطلاقا من هذه المعادلات فقد لفتت المراجع عينها الى الترابط الطبيعي بين هذه الخطوات التي يسعى الى تكريسها القادة العسكريون، للأسباب الآتية:

-لم يعد خافيا على أحد أن الجانب العسكري من كل ما يجري في المنطقة التي شكلت ساحة للحرب الواسعة من إيران ومحيطها الخليجي الى قطاع غزة ولبنان باتت منذ ثلاثة أعوام تحت سلطة "المنطقة الوسطى الأميركية".  وهي الى جانب إشرافها على العمليات العسكرية على ايران منذ حرب الايام الـ 12 في حزيران العام الماضي قبل ان تستمر في مهمتها في الحرب الأخيرة التي انطلقت في 28 شباط الماضي. وكذلك فإن التركيبة العسكرية التي يستند إليها "مجلس السلام" في غزة بقيادة جنرال أميركي من المنطقة أيضا وهو كان للتو قد ترك مسؤولياته رئيسا للجنة "الميكانيزم" في لبنان عند تأسيسها بموجب تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 قبل تسليم خليفته المهمة، ليرأس الجهاز العسكري في قطاع غزة بعد انتهاء الحرب فيها بموجب مبادرة الرئيس ترامب.

يبدو واضحا إصرار الإدارة الأميركية على انهاء الحروب في المنطقة من إيران إلى لبنان بعد خطة غزة، ولكن ذلك لم يتحقق بعد، فالعمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة في لبنان رغم مسلسل اتفاقات وقف النار التي تركت الحرية للإسرائيليين في الأجواء اللبنانية والجنوب المحتل للقيام بما تعتبره دفاعا عن النفس ومنع أي من مظاهر الخطر أي تشكلها ميليشيات "حزب الله" كما تقدرها هي. وكذلك لم تتوقف العمليات العسكرية في طهران رغم التفاهم على تجديد مهلة وقف النار بعد تفاهم "بورغن شتوك" في 25 حزيران الماضي، ولو بشكل متقطع، لكن الجديد واللافت بقي في إصرار القادة العسكريين الاميركيين على رفض أي مشاركة اسرائيلية في العمليات العسكرية المباشرة في إيران والخليج العربي سعيا وراء ضمان إدارتها من دون أي شريك آخر.

على هذه الخلفيات، وغيرها من المعطيات التي تدل على التوجه الجديد للإدارة الأميركية فقد اكدت كل التقارير الديبلوماسية من واشنطن، ان حركة قادتها العسكريين في المنطقة من زيارة  الادميرال كوبر الى الجنرال كليرفيلد تمهد لخطوات سياسية أخرى تخطط لها الخارجية الأميركية بهدف انهاء السباق بين الخيارات العسكرية والديبلوماسية لصالح الثانية منها انفاذا لمسلسل الوعود التي قطعها ترامب لناخبيه بانه لن يجر بلاده الى أي حرب وقد، أمعن باتهام سلفه الرئيس جو بايدن بالتفريط بأمن الجيش الأميركي بالمليارات التي أغدقها على أوكرانيا قبل أن يزيد ترامب من حجم العمليات العسكرية الاميركية الى درجة وصلت فيها تكلفتها بما لم يكن مقدرا من التريليونات بالدولار الأميركي.

وبناء على ما تقدم، فإن المراجع عينها ترى صعوبة في تنفيذ المخططات الأميركية بالسرعة القصوى بسبب المعوقات الداخلية والخارجية، وهو ما يقود الى "سيناريوهات متناقضة" تتحكم بالمنطقة، ذلك ان سياسة العناد الإيرانية قد أرهقت ترامب لفترة طويلة لم تكن تحتسب، وهو يعرف انهم يريدون إطالة أمد الحرب الى نهاية ولايته او الى حين دفعه الى الاستقالة كما يفكر بعض أعضاء الكونغرس الأميركي المعارضين لحربه في إيران والخليج ،إن تفوقوا في الانتخابات النصفية اول يوم ثلاثاء من تشرين الثاني المقبل. وهو وإن نوى انهاء الحرب في لبنان وغزة، فإن عدم ممارسة الضغوط الكافية على إسرائيل لوقف حربها نهائيا يؤكد ان رئيس حكومتها ما زال يراهن على تمدد العمليات العسكرية الى حين فتح صناديق الانتخابات في الأسبوع الأخير من تشرين الأول المقبل.