المصدر: نداء بيروت
الكاتب: ايلي الياس
الثلاثاء 16 حزيران 2026 07:43:22
كشفت المفاوضات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة حقيقتين مترابطتين: غياب فلسطين عن أولويات طهران، واستغلال الجنوب اللبناني ورقةً في خدمة مصالحها. فعندما جلست إيران إلى طاولة التفاوض، تركزت مطالبها على وقف الحرب، ورفع العقوبات، والإفراج عن أموالها المجمّدة، وضمان أمن النظام. أما فلسطين، التي زعمت طهران طوال عقود أن جبهاتها تخوض الحروب من أجلها، فلم تكن حاضرة في الاتفاقات المطروحة، ولم يشكّل إنهاء معاناة الفلسطينيين أو إقامة دولتهم شرطًا إيرانيًا لأي تسوية.
وفي المقابل، حاولت إيران إدخال لبنان في مفاوضاتها، لا دفاعًا عن سيادته ومصالح شعبه، بل حفاظًا على نفوذها وسلاح "حزب الله" وقدرتها على استخدام الحدود الجنوبية. فطهران لا تتعامل مع الجنوب باعتباره أرضًا لبنانية تقرر الدولة وحدها كيفية حمايتها، بل بوصفه جبهة متقدمة تضغط من خلالها على إسرائيل والولايات المتحدة، ثم تساوم عليها عندما تبدأ المفاوضات.
اختفت شعارات "القدس" و"وحدة الساحات" فور انتقال النقاش من المنابر إلى طاولة المصالح. وهذا الغياب ليس تفصيلا، بل دليل على أن فلسطين تُستدعى لتعبئة الشارع العربي وتبرير تسليح الأذرع، فيما يُستغل الجنوب لإطلاق الصواريخ وإيصال الرسائل الإيرانية. وعندما يحين وقت التسوية، تفاوض طهران على أموالها وأمنها ونفوذها، بينما يبقى اللبنانيون أمام القرى المدمرة والاقتصاد المنهار وآلاف النازحين.
تعود محاولة توظيف القضية الفلسطينية إلى ما قبل وصول الخميني إلى السلطة. ففي أثناء وجوده في النجف، أقام علاقات مع حركة "فتح"، وأجاز لمقلديه تقديم جزء من أموال الخُمس لدعمها. وفي المقابل، احتضنت قواعد الثورة الفلسطينية في لبنان عددًا من المعارضين الإيرانيين، ومن بينهم شخصيات أصبحت لاحقًا من رموز النظام الجديد، مثل مصطفى شمران. وبعد سقوط الشاه عام 1979، كان ياسر عرفات أول زعيم أجنبي يزور طهران، وتسلّم مقر السفارة الإسرائيلية ليصبح سفارة فلسطين.
لكن التقارب لم يستمر، لأن طهران لم تكن تبحث عن علاقة متوازنة مع الحركة الوطنية الفلسطينية، بل عن إخضاع القضية لأولوياتها الأيديولوجية. بدأت الخلافات خلال الحرب العراقية - الإيرانية، عندما حاول عرفات التوسط لإنهاء الحرب وأزمة الرهائن الأميركيين، فيما أبلغته طهران بأنها تريده حليفًا لا وسيطًا. وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخروج منظمة التحرير من بيروت، بدأت إيران بناء نفوذها اللبناني الخاص بواسطة الحرس الثوري.
وظهر التناقض بوضوح خلال حرب المخيمات في منتصف الثمانينيات، حين تعرض الفلسطينيون في لبنان للحصار والقتل على أيدي قوى مرتبطة بالمحور السوري - الإيراني. لم تمنع شعارات نصرة فلسطين استهداف الفلسطينيين، لأن مصالحهم أصبحت ثانوية أمام حسابات النفوذ الإقليمي.
وفي مرحلة لاحقة، انتقلت إيران من علاقتها بمنظمة التحرير، الممثل السياسي الأوسع للفلسطينيين، إلى دعم "حماس" و"الجهاد الإسلامي". لم يكن ذلك نابعًا فقط من تأييد المقاومة، بل من البحث عن فصائل أكثر استعدادًا للاندماج في محور تقوده طهران. وهكذا، لم تعد إيران تتعامل مع فلسطين بوصفها قضية شعب، بل ساحة تختار داخلها حلفاءها وتمولهم وتوظفهم في صراعاتها.
أما في لبنان، فقد أرسل النظام الإيراني الحرس الثوري إلى البقاع عام 1982، وأسهم في تأسيس "حزب الله" وتسليحه وربطه عقائديًا وسياسيًا بولاية الفقيه. وبعد الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000، لم يُسلَّم السلاح إلى الدولة، بل توسعت الترسانة وتحول الجنوب تدريجيًا إلى قاعدة متقدمة ضمن الاستراتيجية الإيرانية.
لقد استغلت طهران الجنوب مرتين: استغلت موقعه الجغرافي لتحويله إلى جبهة عسكرية، واستغلت قضيته سياسيًا للاحتفاظ بسلاح "حزب الله" وتعطيل قيام دولة لبنانية كاملة السيادة. ومع كل مواجهة، يدفع أبناء الجنوب الثمن قتلًا ونزوحًا ودمارًا، فيما تتولى إيران توظيف تضحياتهم لتحسين شروطها التفاوضية.
إن المشروع الإيراني ليس ثوريًا تحرريًا، بل مشروع إسلامي عقائدي توسعي. فالمشروع التحرري يحترم سيادة الشعوب، أما طهران فتستخدم فلسطين غطاءً، والجنوب ساحةً، واللبنانيين وقودًا.
ولا يعني فضح هذا الاستغلال تبرئة إسرائيل من الاحتلال والاعتداءات. لكن إدانة إسرائيل لا تلزم اللبنانيين بقبول الهيمنة الإيرانية. فدعم فلسطين لا يكون بتدمير الجنوب أو مصادرة قرار الدولة.