شهادة الثانوية العامة: من أزمة الامتحان إلى أزمة البديل

لم تعد أزمة الشهادة الثانوية العامة في لبنان محصورة في سؤال: هل تُجرى الامتحانات الرسمية أم تُلغى؟ فقد فرضت الحرب معادلة جديدة قوامها إلغاء الامتحانات ومنح إفادات نجاح مشروطة. غير أنّ الانتقال من الامتحان إلى الإفادة لم يُنهِ الإشكال التربوي، بل كشف خللًا في المعيار الذي اعتمده القرار الحكومي. وإذ انتقل الملف إلى مجلس النواب عبر اقتراح قانون معجّل مكرّر يقضي بمنح الإفادات لجميع الطلاب النظاميين المسجلين الذين تابعوا الدراسة حتى 28 شباط 2026، برز مسار تشريعي يسعى إلى تصحيح هذا الخلل ورفع التمييز الذي أحدثه معيار 9.5/20 حتى الأول من آذار. فإذا كان الامتحان الرسمي قد أُلغي لأنه لم يعد يضمن العدالة وتكافؤ الفرص، فهل يجوز أن يُستبدل بمعيار مدرسي مجتزأ وغير موحّد قد يعيد إنتاج الظلم؟ وهل يحتفظ القرار الحكومي بمشروعيته إذا كان البديل أقل صدقًا وموثوقية من الأداة التي استُبدلت؟ وهل تكفي النية الإنقاذية لتبرير آلية قد تُقصي طلابًا لم تُتح لهم فرصة عادلة لاستكمال مسارهم الدراسي؟

هنا تكمن المفارقة. فالقرار الذي انطلق لمعالجة ظرف استثنائي قد يتحول إلى مصدر جديد للإجحاف. فاعتماد معدل 9.5/20 حتى الأول من آذار معيارًا لمنح الإفادة لا يطرح مشكلة إدارية فحسب، بل يمسّ جوهر العدالة التقويمية. فالعلامة المدرسية المبكرة ليست حُكمًا نهائيًا على مسار الطالب، ولا سيما في صفوف الشهادات، حيث يبلغ كثير من الطلاب ذروة جاهزيتهم في الأشهر الأخيرة مع تكثيف المراجعات والاستعداد للامتحانات.

والتقويم المدرسي، بطبيعته، تراكمي، ومسار الطالب لا يُختزل في مرحلة واحدة. كما أنّ التقويم البنائي وُجد لدعم التعلم وتصحيح مساره، لا لإصدار أحكام نهائية مبكرة. لذلك، فإن تحويل نتائج الفصل الأول أو العلامات المحتسبة حتى الأول من آذار إلى معيار مصيري للإفادة يناقض وظيفة التقويم نفسها. فالرسوب المرحلي ليس رسوبًا نهائيًا، والتعثر في بداية العام لا يعني العجز عن النجاح في نهايته. وإذا كان نحو ستة آلاف طالب في التعليم الرسمي قد رسبوا في الفصل الأول، فإن السؤال لا يعود رقميًا فحسب، بل أخلاقيًا أيضًا: كم طالبًا من هؤلاء كان قادرًا على تحسين مستواه في نهاية العام؟ وكم طالبًا حُكم عليه انطلاقًا من مرحلة مبكرة لا من مساره الدراسي الكامل؟

من منظور الصدق التقويمي، يبرز سؤال جوهري: هل تقيس علامة الأول من آذار جاهزية الطالب النهائية؟ وهل تصلح، في عام قطعت فيه الحرب المسار التعليمي بعد هذا التاريخ، بديلًا وطنيًا للامتحان الرسمي؟ فأي أداة تقويم تفقد صدقيتها حين لا تقيس ما تدّعي قياسه. وإذا كان الهدف الحكم على قدرة الطالب على النجاح، فإن الاقتصار على مرحلة مبكرة لا يعكس مستواه النهائي، ولا يلتقط تحسنه، ولا يراعي أنّ الحرب حرمته فرصة استكمال مساره.

ومن منظور الموثوقية التقويمية، تبرز إشكالية أخرى: هل العلامات المدرسية في التعليم الرسمي والخاص قابلة للمقارنة فعلًا؟ فالامتحان الرسمي، رغم الملاحظات عليه، كان معيارًا وطنيًا موحدًا، بينما تختلف العلامات المدرسية باختلاف المدرسة، ومستوى التشدد أو التساهل، وآليات التقييم، واستكمال المنهج، وظروف انتظام التعليم. وبغياب ضوابط مركزية صارمة، تصبح العلامة المدرسية مصدر تفاوت لا مصدر عدالة. ويزداد الأمر خطورة مع اختلاف آليات تثبيت العلامات بين التعليم الرسمي والخاص. ففي التعليم الرسمي، تُرحَّل العلامات إلى أنظمة وزارة التربية ضمن مهل محددة، فتغدو مثبتة وصعبة المعالجة. أما في بعض المدارس الخاصة، فقد بقي هامش التسليم أو التعديل أوسع بعد صدور القرار. وهنا لا يعود الخلل إداريًا فحسب، بل يتحول إلى تمييز بنيوي: يُحسم وضع طالب المدرسة الرسمية مبكرًا، بينما قد يحظى طالب المدرسة الخاصة بفرصة أوسع للمعالجة أو إعادة الترتيب.

من هنا، لا يمكن الحديث عن معيار واحد إذا كانت آليات إنتاجه وتثبيته مختلفة. فالعدالة، كما يرى جون رولز، لا تتحقق بتطبيق القاعدة نفسها على الجميع، بل بإنصاف يراعي الفوارق الواقعية.

ويضيف أمارتيا سن أن العدالة تُقاس بقدرة الأفراد الفعلية على الاستفادة من الفرص، لا بمجرد وجودها. وفي القياس والتقويم، يُترجم ذلك في مفهوم «الإنصاف التقويمي»، الذي يقتضي تطبيق أداة التقييم في ظروف لا تميّز بين المتعلّمين بسبب أوضاعهم الاجتماعية أو الاقتصادية أو المؤسسية. لذلك، فإن وحدة القرار لا تعني وحدة العدالة إذا اختلفت شروط تطبيقه بين التعليم الرسمي والخاص، خصوصًا أن القرار الحالي قد يضرّ بالفئة التي يُفترض أن يحميها: طلاب المدرسة الرسمية، وهم غالبًا الأكثر تضررًا من الحرب والنزوح والانهيار وضعف الإمكانات، والأكثر التزامًا بالمهل والأنظمة الرسمية، والأقل قدرة على المعالجة أو المناورة الإدارية. وهكذا تنشأ مفارقة قاسية: انتظام المدرسة الرسمية يُعاقَب، بينما تكافَأ مرونة بعض المدارس الخاصة.

وهنا يستعيد بيار بورديو راهنيته؛ فالمدرسة قد تتحول من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة لإعادة إنتاج اللا مساواة. وفي الحالة اللبنانية، لم يعد الخطر في الامتحان الرسمي، بل في أن تعيد العلامة المدرسية إنتاج الفوارق نفسها إذا غابت وحدة المعايير، والتدقيق المركزي، والرقابة التي تمنع الاستنساب والتلاعب أو الضغط المالي على الأهالي.

ومن زاوية فوكو، لا يبدو الامتحان أداة بريئة لقياس المعرفة فحسب، بل ممارسة مؤسسية للفرز والتصنيف. والمفارقة أن إلغاء الامتحان لم يُلغِ هذا المنطق، بل نقله من قاعة الامتحان إلى سجلات العلامات المدرسية. فبدل اختبار موحّد، أصبح الطالب خاضعًا لعلامات غير موحّدة، ومهل متفاوتة، وهوامش مختلفة للمعالجة. هكذا انتقلنا من امتحان رسمي عالي المخاطر إلى بديل مدرسي لا يقل خطورة، لكنه أقل شفافية وأكثر عرضة للاستنساب.

ولعل أخطر ما في المشهد أن السلطة التربوية ما زالت تنشغل بالدفاع عن سلامة القرار أكثر من انشغالها بضمان العدالة التقويمية. فكأنّ قيمة الشهادة تكمن في وجود آلية تمنحها، لا في عدالة المعايير التي تقوم عليها. وهكذا ننتقل من الدفاع عن التربية إلى الدفاع عن القرار، ومن حماية المتعلّم إلى حماية الإجراء.

ومن منظور الأثر الارتدادي، فإن أي معيار تقويمي يعيد تشكيل سلوك المدارس والطلاب والأهالي. فحين تصبح علامة مدرسية مفتاحًا للإفادة، تتحول إلى مصدر ضغط على الجميع، بينما يبقى طالب المدرسة الرسمية أسير علامة مثبتة لا يملك تعديلها. وهكذا تتحول الإفادة من إجراء إنقاذي إلى مصدر قلق وعدم يقين.

ولا ينبغي أن تتحول الدورة الخاصة إلى عقوبة مقنّعة. فهي، وإن قُدمت بوصفها فرصة، قد تصبح مسارًا قسريًا لطلاب تعثّروا في الفصل الأول وكانوا قادرين على تحسين مستواهم في نهاية العام. فلا يجوز أن يتحمل الطالب كلفة قرار اختار مرحلة مبكرة للحكم على مستواه، ويُعامل كأنه فشل دراسيًا.

إنّ الصيغة الأكثر توازنًا لا تكون في تثبيت القرار كما هو، ولا في استبدال امتحان غير عادل ببديل غير منصف، بل في اعتماد مخرج يضمن ألّا يُحرم أي طالب من حقه بسبب علامة مبكرة لا تعكس مساره الدراسي، سواء أكان ذلك عبر إفادة عامة لجميع الطلاب النظاميين، أو عبر احتساب الأفضل بين معدل أول آذار ومعدل نهاية العام، مع تدقيق مركزي للعلامات، وتوحيد المهل بين الرسمي والخاص، وفتح دورة اختيارية للراغبين في شهادة بعلامات. عندها تصبح الدورة خيارًا لا عقوبة، والإفادة وسيلة للإنصاف لا أداة جديدة للتمييز.

لقد كشفت هذه الأزمة أن لبنان لا يعاني من أزمة امتحانات فحسب، بل من أزمة في فلسفة التقويم وغياب سياسة وطنية للتعافي التربوي. فالحرب لم تعطل التعليم فقط، بل كشفت حدود الفلسفة التي يقوم عليها نظامنا التقويمي، وأن الامتحان الذي أُريد له أن يكون رمزًا للعدالة قد يتحول، في ظروف معينة، إلى أداة لإعادة إنتاج الظلم، وأن الشهادة التي أُريد لها أن تكون عنوانًا للجدارة قد تصبح انعكاسًا للفوارق الاجتماعية والنفسية أكثر مما تعكس المعرفة. والأخطر أن النظام التربوي قد ينشغل بالدفاع عن رمزية الامتحان أو الإفادة، بينما يغفل عن الدفاع عن الإنسان الذي وُجد التقويم من أجله.

إنّ ما يحمي الشهادة الرسمية ليس الامتحان بحدِّ ذاته، ولا الإفادة بحدِّ ذاتها، بل عدالة النظام التقويمي الذي يمنحهما الشرعية. فالذي يضرب صدقية التعليم ليس إلغاء الامتحان، ولا اعتماد الإفادات في ظروف استثنائية، وإنما غياب العدالة، والقرارات الارتجالية، وسوء التخطيط، وتحويل المتعلّم إلى أداة، والتقويم إلى غاية ممجدة. فالشهادة تستمد قيمتها من نزاهة معاييرها، لا من شكل الأداة التي تُمنح من خلالها.

لا يكمن السؤال في ما إذا كان إلغاء الامتحانات صحيحًا أم لا، بل في الكيفية التي نبني بها بدائلها، وفي قدرة المعالجة التشريعية المرتقبة على تصحيح الخلل بدلاً من تكريسه. فهل يجوز، بعد إلغاء امتحان فقد مشروعيته بسبب غياب العدالة، اعتماد معيار مدرسي مبكر قد يعيد إنتاج الظلم بصورة أخرى؟ وهل يحق للحكومة أن تُحمّل الطالب تبعات نظام تقويمي لم يضمن له تكافؤ الفرص؟ ثم أي فلسفة للتقويم نريد للبنان: فلسفة تحرس الرموز والأرقام، أم فلسفة تحرس الإنسان وحقه في تعلّم عادل وتقييم منصف؟ فالاختبار الحقيقي لأي قرار تربوي لا يكمن في سهولة تنفيذه، بل في مقدار العدالة التي يضمنها لمن يتوقف مستقبلهم عليه.