صور في مرمى التقدم الإسرائيلي والبقاع الهدف التالي في خريطة الحرب

في الجنوب اللبناني، لا تبدو الحرب سلسلة غارات متفرقة بقدر ما تشبه خريطة تُرسم بالنار خطوطها تُحدَّد بتقدم الدبابات، وحدودها تُثبَّت بكثافة النيران، وغايتها تتجاوز الهدف التكتيكي إلى إعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية للمنطقة.

بحسب معطيات ميدانية متقاطعة، تعمل إسرائيل على تنفيذ خطة متعددة المحاور، لا تقتصر على جنوب لبنان، بل تمتد في حساباتها إلى جنوب سورية، في محاولة لفرض واقع أمني جديد يقوم على إنشاء منطقة عازلة عميقة، وتثبيت نقاط سيطرة دائمة داخل الأراضي اللبنانية.

على الساحل، في القطاع الغربي، تقدمت القوات الإسرائيلية من الناقورة شرقاً بمحاذاة البحر، وصولاً إلى البياضة، وهو تقدم لم يتحقق في حرب عام 2024. ومن هناك، اتجهت القوات شرقاً نحو شمع، في مناورة التفاف دائرية تهدف إلى فتح الساحل الجنوبي لمدينة صور بالكامل.

هذا التقدم، وفق التقديرات، يضع القوات الإسرائيلية على مسافة تقارب 29 كيلومتراً داخل العمق اللبناني، مع مؤشرات واضحة على نية الوصول إلى مشارف صور، المدينة التي تمثل عقدة استراتيجية على الساحل.

في القطاع الأوسط، يتكرر النمط نفسه ولكن بأدوات تطويق أشد إحكاماً. بنت جبيل، التي لطالما شكلت رمزاً للمواجهة، تبدو اليوم هدفاً لحصار متعدد الجهات: من عيناتا، مارون الراس، يارون، وصولاً إلى محاور القوزح باتجاه رشاف والطيري.

هنا، لا تسعى القوات الإسرائيلية إلى السيطرة السريعة بقدر ما تعمل على خنق المدن تدريجياً، وعزلها عن محيطها، في تكتيك يعيد إلى الأذهان نماذج الحصار الطويل. أما في القطاع الشرقي فتتوزع العمليات على أكثر من محور حيوي، الأول يمتد بمحاذاة نهر الليطاني، مروراً ببلدات دير سريان، عدشيت، القصير، وصولاً إلى فرون وصريفا، في محاولة للسيطرة على القرى النهرية وإعادة تموضع القوات جنوب الليطاني، بما يسمح بمحاصرة وحدات حزب الله داخل جيوب جغرافية محددة، والمحور الثاني ينطلق من الخيام باتجاه الخردلي والدلافة، وهو تقدم يفتح الطريق نحو عقدة جغرافية حساسة تربط الجنوب بالبقاع. في هذه المرحلة، تبرز وديان الحجير والسلوقي كأهداف فورية. تشير المعطيات إلى نية إسرائيل تطويق هذين الواديين أولاً، قبل تنفيذ قصف كثيف تمهيداً للتوغل البري، وهو تكتيك يعكس إدراكاً لصعوبة القتال في تضاريس وعرة لطالما منحت الأفضلية للقوات المدافعة.

لكن ما هو أبعد من الليطاني يبدو أكثر أهمية في الحسابات الإسرائيلية، فقد وسّعت الغارات نطاقها لتشمل مناطق شمال النهر، وصولاً إلى الزهراني، حيث طُلب من السكان إخلاء بلداتهم. وفي العمق، تتركز الضربات على إقليم التفاح، وجبل الريحان، وأعالي جزين، والبقاع الغربي، وهي مناطق تعتبرها إسرائيل مخازن استراتيجية للصواريخ والبنية العسكرية لحزب الله.

الهدف هنا لا يقتصر على التدمير، بل يتعداه إلى فصل الجنوب عن البقاع، وقطع خطوط الإمداد بينهما. ضمن هذا السياق، لا يُستبعد أن تمتد العمليات نحو نهر القاسمية، وربما لاحقاً إلى نهر سينيق، في محاولة لرسم خط عازل إضافي يكرّس عزل الجنوب جغرافياً، كما تشير التقديرات إلى احتمال فتح محور رئيسي باتجاه نهر الخردلي، ثم القطراني والسريرة، عبر تقدم مزدوج: الأول من الخيام ومرجعيون نحو كوكبا والدلافة، والثاني من كفرشوبا باتجاه كفرحمام والهبارية وصولاً إلى راشيا الفخار والفرديس، في مواجهة مباشرة مع تخوم البقاع الغربي.

وفي تطور لافت، يدخل البعد السوري إلى المشهد بشكل أكثر وضوحاً، فقد أعلنت إسرائيل، أمس، رسمياً تحركاً من مواقعها في جبل الشيخ باتجاه قرى في جنوب لبنان، في خطوة تعكس إمكانية استخدام الجبهة السورية كامتداد ميداني للعملية. هذا المسار قد يتوسع شمالاً داخل الأراضي السورية، للوصول إلى نقاط مقابلة للبقاع، خصوصاً إذا قررت إسرائيل توسيع نطاق الحرب نحو تلك المنطقة، التي تتهم حزب الله بتخزين صواريخ بالستية بعيدة المدى فيها. بهذا المعنى، لا تبدو العملية مجرد توغل محدود، بل مشروع عسكري متدرج لإعادة رسم خطوط السيطرة في جنوب لبنان، وربما ما بعده، مشروع يبدأ بالنار، لكنه يسعى في النهاية إلى تثبيت واقع يصعب تغييره.