ضباط الحرس الثوري بـ"المصيدة".. أسرار حصار تل أبيب مرتفعات "علي الطاهر"

تتجه الأنظار إلى الطريقة التي ستنتهي بها المعركة الميدانية الجارية فوق الأرض وتحتها في مرتفعات "علي الطاهر" الاستراتيجية جنوبي لبنان، وسط إدراك إقليمي ودولي بأن نتائج هذا الصراع ستكون حاسمة في تحديد مخرجات حرب لبنان، وتحديد فرص نزع سلاح ميليشيا حزب الله.

تؤكد المعطيات وجود عشرات العناصر التابعين لميليشيا حزب الله إلى جانب عشرات من الضباط والمستشارين التابعين للحرس الثوري الإيراني، محاصرين في مجمع أنفاق استراتيجي تحت الأرض، بينما يسيطر الجيش الإسرائيلي على معظم مسارات الوصول والتنقل المؤدية إليه.

استراتيجية الحصار
ورغم القدرة الميدانية للجيش الإسرائيلي على حسم المعركة، إلا أن تصفية المحاصرين قد تفجر رداً مباشراً من طهران يُشعل المنطقة برمتها، مما دفع إسرائيل لاعتماد استراتيجية الحصار و"الصبر الميداني"، بالتوازي مع كواليس مفاوضات سرية للتوصل إلى مخرج. 

وترجع خطورة الموقف، بحسب تقارير صحفية عبرية إلى أن المحاصرين تحت صخور المرتفع لا يقتصرون على بضع عشرات من مقاتلي وقادة حزب الله، بل يضم المجمع أيضاً عشرات "المستشارين" الإيرانيين، وهم ضباط ينتمون للحرس الثوري وصلوا خلال العام الماضي إلى مقر قيادة المنطقة الميدانية التابعة للحزب شمال نهر الليطاني.

أهمية الموقع و"مصيدة بدر"
يقع المرتفع الذي يبلغ ارتفاعه 600 متر غربي مدينة النبطية ضمن ما يطلق عليه حزب الله "وحدة بدر العملياتية"، الممتدة بين نهري الليطاني جنوباً والزهراني شمالاً، وفي مركزه تقع هضبة ونواحي النبطية.

بحسب تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، اختارت الميليشيا هذا المرتفع ليكون مقراً لقيادة "وحدة بدر" ومربضاً لأسلحتها الثقيلة، كونه يتيح رؤية وسيطرة نارية كاملة على كافة المحاور والمسارات المؤدية إلى النبطية، إضافة لقربه من الحدود مع إسرائيل بما يسمح بإدارة الهجمات وإعاقة أي تقدم بري للجيش الإسرائيلي شمالاً. 

وإدراكاً لهذه الأهمية الاستراتيجية، دفعت القيادة الإسرائيلية بوحدات من "الفرقة 36" للسيطرة على ضواحي النبطية ومرتفعات علي الطاهر بالتزامن مع "تطهير" منطقة قلعة الشقيف جنوباً.

واعتمدت العملية السريعة على معلومات استخبارية دقيقة ومفصلة حول مقر القيادة التحت أرضي، ما أدى لإرباك عناصر الميليشيا، حيث فوجئوا بظهور عناصر وحدتي "أغوز" و"يهلوم" عند أطراف الفوهات والأزقة المؤدية للمجمع وتطويقهم. 

ومنذ فرض الحصار، جرت محاولات متكررة من مقاتلي الحزب وضباط الحرس الثوري للخروج من الأنفاق، أو إدخال إمدادات وتعزيزات من قرى هضبة النبطية. 

وأسفرت المواجهات والاشتباكات التي استخدمت فيها طائرات مسيرة انتحارية عن مقتل 5 ضباط وجنود إسرائيليين وإصابة 21 آخرين، بينما قُتل أكثر من 20 عنصراً من حزب الله. ورغم تأكيدات الحزب نجاحه مؤخراً في إيصال كميات من الماء والغذاء عبر فوهات مستحدثة وطائرات مسيرة، إلا أن المجمع بقي محاصراً بضراوة.

مخاوف التصعيد الإقليمي
ورغم عدم وجود رقم دقيق للراقدين تحت الأرض نظراً لفرار بعضهم قبل فرض الحصار كاملاً قبل نحو 10 أسابيع، تقدّر المصادر الميدانية وجود ما بين 20 إلى 40 عنصراً من ميليشيا حزب الله، برفقتهم عشرات الضباط من الحرس الثوري الإيراني. 

ويُعد هذا الوجود الإيراني، إلى جانب الضغوط الأمريكية لتجنب التورط في التصعيد، السبب المباشر وراء اتباع الجيش الإسرائيلي نمط قتال حذر وبطيء فوق الأرض وتحتها.

وتؤكد القراءات العسكرية أن الجيش الإسرائيلي كان بإمكانه إنهاء الملف منذ أسابيع باستخدام التكتيكات والأساليب المتطورة التي طورها لتطهير الأنفاق في غزة وجنوب لبنان، إلا أن استخدام هذه الأساليب العنيفة كان سيفرز عشرات الجثث لضباط إيرانيين وعناصر الحزب من الأنفاق. 

تخوف من التصعيد الإيراني
يشير التحليل الإسرائيلي إلى أن مثل هذا المشهد كان سيجبر قيادة النظام في طهران على تنفيذ تهديداتها الصريحة المعلنة ضد واشنطن وتل أبيب، حيث تؤكد قيادات الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن حزب الله يمثل ركناً استراتيجياً حيوياً لإيران، لا سيما مع الانخراط المباشر لكوادر الحرس الثوري ميدانياً.

وبحسب التقرير العبري، فإن أي إراقة دماء واسعة في تلك المرتفاعت كانت ستدفع إيران لإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة نحو إسرائيل، مما سيجلب رداً إسرائيلياً داخل العمق الإيراني، وبالتالي اتساع رقعة المواجهة نحو الخليج العربي واستهداف القواعد الأمريكية وممتلكات الطاقة. 

هذا التأثير المتسلسل يرفضه الجميع في الوقت الراهن، إذ تتجنب الحكومة الإسرائيلية عشية الانتخابات جر الجبهة الداخلية إلى جولة تدميرية جديدة مع إيران تستهلك الذخائر وساعات طيران سلاح الجو.

من جهته، لا يرغب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التصعيد عشية انتخابات منتصف الولاية التي قد تفقد حزبه الأغلبية في الكونغرس، لا سيما مع نجاح قيادة المنطقة المركزية (سنتكوم) في مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بنجاح والتأثير المتصاعد للحصار الاقتصادي الأمريكي على طهران.

في حين تخشى الحكومة اللبنانية تبعات الهزيمة الدامية في المرتفع على مصداقيتها وسط الطائفة الشيعية ومكانتها كطرف قادر على دفع إسرائيل للانسحاب، بحسب التقرير العبري.

سيناريو رفح
ويستحضر الجيش الإسرائيلي تجربة معركة أنفاق رفح، حيث فرض حصاراً صبوراً أدى في النهاية إلى مقتل معظم المحاصرين واستسلام البقية.

ووفق ما نقله تقرير موقع "يديعوت أحرونوت"، صرح كبار الضباط والمسؤولين العسكريين في أحاديث مغلقة ومباشرة بأنهم لا يمانعون إطلاقاً في أن تنتهي هذه المواجهة بالسيناريو نفسه، حتى لو تطلب الأمر الانتظار وتحمل مخاطر الاستهداف ببعض الطائرات المسيرة الانتحارية.

وفي المقابل، تستشعر ميليشيا حزب الله بحرج الوقت وتضغط على الحكومة اللبنانية للتحرك لدى الأطراف الدولية.

وتتركز المفاوضات حالياً في محادثات مباشرة وغير مباشرة برعاية أمريكية، حيث تطرح بيروت صيغة تنص على انسحاب إسرائيل وحزب الله بالتوازي، لتتولى القوات المسلحة اللبنانية السيطرة على مرتفعات "علي الطاهر" وتفكيك بنيته التحتية فوق وتحت الأرض.

انسداد المفاوضات
إلا أن الميليشيا تشترط الانسحاب بسلاحها دون أن تظهر بمظهر المستسلم، وهو ما أبقى المفاوضات في حالة انسداد حتى اللحظة. 

وحالياً، يفرض الجيش الإسرائيلي سيطرة نارية واستخبارية كاملة على الفتحات والطرق المؤدية للمجمع التحت أرضي، وسط أنباء لبنانية عن توغل قوات إسرائيلية داخل جزء من الممرات والاقتراب من نقطة تمركز المحاصرين.