ضربات "اغتيالية" كثيفة تترجم الاحتدام التصاعدي.. البلدات الحدودية المسيحية في ظل الأمن الداخلي

 

شكّلت الحلقة الجديدة من الاغتيالات الإسرائيلية التي استهدفت كوادر كبيرة في صفوف "حزب الله" عنواناً شديد الوقع على مجريات الحرب التي تدخل اليوم شهرها الثاني، وسط تدحرج حربي وميداني بالغ العنف بما يستبعد معه أي ربط بين النهاية المرتقبة لحرب إيران وحرب لبنان. 

ذلك أن التقديرات الواقعية التي أثارتها عملية اغتيال جماعية تكشّفت عنها ضربة إسرائيلية عنيفة ومركّزة فجر أمس في منطقة الجناح وكان أكبر ضحاياها رئيس المجلس الجهادي في "حزب الله" يوسف اسماعيل هاشم مع كوادر كبيرة أخرى من الحزب يمسكون بملفات التنسيق الميداني مع أذرع أخرى في العراق واليمن، الأمر الذي رسم علامات فارقة على عملية الاغتيال الأخيرة في الجناح، والتي لم تكن منفردة بل واكبتها عمليات وغارات غامضة النتائج في خلدة والمكلس حيث لم تتضح تماماً طبيعة الأهداف التي كانت وراء الغارات. كما تندرج في سياق الخط البياني لتصعيد الاغتيالات واستهدافاتها اغتيال أحد الكوادر البارزين الآخرين في وقت متزامن مع عملية الجناح وهو محمد حمية الذي استهدفته غارة إسرائيلية في حومين في الجنوب.

الجانب الآخر الذي يسلّط تكثيف عمليات الاغتيال الأضواء عليه، يتعلق بمجريات العمليات الميدانية براً على الأرض وعمليات القصف المتبادلة. إذ إن وتيرة العمليات تتصاعد على نحو كبير وعنيف وربما أعنف من كل فترة الشهر الأول من الحرب. وإذ توسّع إسرائيل المدى الجغرافي والاستراتيجي لانتشار جيشها في المنطقة العازلة أو عبر الجبهة المحدثة بين الشق السوري من جبل الشيخ والجنوب والبقاع الغربي، ضاعف "حزب الله" وتيرة الاستهدافات الصاروخية للفرق الإسرائيلية المتقدمة براً في الجنوب كما في اتجاه البلدات والمرافق في شمال إسرائيل، بمعدل يقدّره الإسرائيليون انفسهم بمعدل ما بين 100 و 150 صاروخاً ومقذوفاً يومياً.

 

وتزايدت في الوقت نفسه عمليات القصف المتزامن من إيران و"حزب الله" وحديثاً اليمن على إسرائيل بما يجدّد معادلة "ربط الميادين والساحات"، الامر الذي يضع لبنان مجدداً أمام تداعيات خطيرة لهذا الربط في ظل إعلان اسرائيل رفض أي ربط بين نهايات حرب إيران وحرب لبنان، ومضيّها نحو احتلال طويل المدى للمناطق التي تسيطر عليها، إن بالاجتياح البري وإن بالنار والتمركز الاستراتيجي الواسع.

وفي الوقائع تلقّى "حزب الله" ضربة قوية فجر أمس  في الجناح، إذ أدت 3 صواريخ أطلقها الجيش الإسرائيلي إلى مقتل 7 أشخاص قياديين ذكرت معلومات أنهم كانوا في اجتماع سري في مرآب مبنى حين حصلت الضربة الصاروخية. وأفيد أنه كان من بينهم كوادر أساسية مسؤولون عن ملفات العراق واليمن وسوريا في "حزب الله".

وأعلن الجيش الإسرائيلي على الاثر "إننا قضينا في بيروت على قائد جبهة الجنوب في حزب الله المدعو الحاج يوسف إسماعيل هاشم". وقال المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي: "تعد جبهة الجنوب الوحدة المسؤولة في حزب الله عن تنفيذ مخططات ضد مواطني إسرائيل والقتال ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، حيث أشرف هاشم خلال قيادته للوحدة على إطلاق القذائف الصاروخية والمسيّرات المعادية نحو الأراضي الإسرائيلية وقاد جهود إعادة بناء حزب الله". واعتبر الجيش أنّ هاشم قائد يتمتع بخبرة تزيد عن 40 عامًا ويُعد أحد الأعمدة الأساسية في حزب الله، حيث تولّى منصب قائد الجنوب بعد القضاء على علي كركي الذي قضي عليه  إلى جانب حسن نصر الله خلال عملية سهام الشمال.

وإذ نعى "حزب الله" رئيس مجلسه الجهادي يوسف اسماعيل هاشم، كان من بين القتلى أيضاً، محمد باقر النابلسي وهو مسؤول في "حزب الله" وإبن شقيق محمد عفيف المسؤول الإعلامي السابق الراحل في الحزب وحفيد الشيخ الراحل عفيف النابلسي، والذي نعته بلدة البيسارية، في وقت نقلت "فرانس برس" عن مصدرين، حديثهما عن "مقتل مسؤول الملف العسكري للعراق في حزب الله بالغارة على بيروت"، أيضاً.

كما أن إسرائيل شرعت أمس في مهاجمة مراكز الصرافة التي تقول إنها تستخدم لتمويل أنشطة "حزب الله".  في غضون ذلك، بقي وضع القرى المسيحية في الواجهة. وغداة إخلاء الجيش مواقعه في عدد منها أصدرت قيادة الجيش بياناً عقب الضجة الواسعة التي أثارها انسحاب الجيش، وقالت إنه "نتيجة تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيما في المناطق التي تشهد توغلًا معاديًا في محيط البلدات الحدودية الجنوبية، ما يؤدي إلى محاصرة وحدات الجيش المنتشرة وعزلها وقطع خطوط إمدادها، نفذ الجيش عملية إعادة تموضع وانتشار شملت عددًا من هذه الوحدات. كما تُشير القيادة إلى أنّها تُواصل الوقوف إلى جانب الأهالي وفق الإمكانات المتاحة، من خلال الإبقاء على مجموعة من العسكريين في تلك البلدات. وإذ تستمر الاعتداءات الإسرائيلية دون تمييز بين العسكريين والمدنيين في مختلف المناطق، تُشدد قيادة الجيش على خطورة التحريض والتشكيك بدور المؤسسة العسكرية من جانب بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وما يُسببه ذلك من انعكاسات سلبية على الأهالي، وتوتر داخلي، فيما تبذل المؤسسة أقصى جهودها للقيام بواجبها ضمن الإمكانات المتوافرة، في ظل ضغوط وتحديات كبيرة ناتجة عن الظروف الدقيقة الراهنة".

وخلال الاجتماع الوزاري اليومي في السرايا الحكومية، كشف وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار "بقاء عناصر من قوى الأمن الداخلي في القرى الأمامية الصامدة"، كما عرض وزير الدفاع اللواء ميشال منسى التطورات الميدانية، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت عدداً من المناطق حيث بلغ عدد الشهداء 1268 والجرحى 3750 وإعادة تموضع الجيش اللبناني لتفادي محاصرته.

وتناول مجلس المطارنة الموارنة في اجتماعه في بكركي هذا التطور، حيث حيّا السفير البابوي المطران باولو بورجيا "الذي بزياراته إلى بلدات الجنوب وبرفقته بعض الأساقفة، يُلاقي صمود الكنيسة في الجنوب بأساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وشعبها". ولفت إلى "أن المطلوب من اليونيفيل الذين يمثّلون المجتمع الدولي تطبيق القرار 1701 وبالتحديد المادة 11 الفقرة (د) التي تنصّ على تأمين إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين، والمادة 12 التي تنصّ على حماية المدنيين المعرَّضين للتهديد الوشيك في مناطق وجودها". وقال: "يأسف أعضاء المجلس لما آل إليه الوضع في علاقات لبنان وإيران. ويؤكِّدون موقف الشرعية اللبنانية من ذلك، وعلى وجوب احترام السيادة اللبنانية على نحوٍ جدي ومسؤول، أيًّا كانت الجهة التي تتعرّض لها".

وفي الجانب المتعلق بتداعيات حرب إيران على لبنان، أعلنت السلطات القطرية تعليق نظام تأشيرة الدخول عند الوصول الممنوحة لمواطني الجمهورية اللبنانية، مشترطةً أن يكون بحوزة كل مسافر لبناني تأشيرة سارية المفعول صادرة عن الجانب القطري قبل مغادرته. وأوضحت الجهات المعنية أنّ بإمكان المسافرين استخراج تأشيرة إلكترونية عبر المنصة الرسمية على أن يحرصوا على أن يكون بحوزتهم نسخة مطبوعة من تأكيد التأشيرة لتقديمها عند المنافذ الحدودية.

ولم تُفصح السلطات عن الأسباب الكامنة وراء هذا الإجراء أو المدة المتوقعة لسريانه، في حين طُلب من الشركاء التجاريين والناقلين الجويين إبلاغ المسافرين اللبنانيين بهذا التعديل قبيل إقلاعهم.

وسط هذه الاجواء، استقبل رئيس الجمهورية جوزف عون، السفير القطري في لبنان الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، وعرض معه التطورات المحلية والإقليمية الراهنة والعلاقات الثنائية بين البلدين. وجدّد رئيس الجمهورية "إدانته للاعتداءات التي تتعرض لها دولة قطر، مؤكداً تضامن لبنان معها ومتمنياً أن تستعيد مع دول الخليج كافة، أمنها واستقرارها".