ضمانات بزشكيان.. هل يكون الرئيس الإيراني "كبش فداء" الاتفاق مع واشنطن؟

فتح إعلان المرشد الإيراني مجتبى خامنئي موافقته على مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة، رغم تحفظه على مضمونها، باب التساؤلات بشأن طبيعة التوازنات داخل النظام الإيراني، وما إذا كان الرئيس مسعود بزشكيان يتحمل وحده المسؤولية السياسية عن مسار التفاوض. 

وقد تتيح هذه الخطوة للمؤسسة الحاكمة في طهران التنصل من أي نتائج سلبية إذا تعثرت المفاوضات أو انهارت خلال مهلة الستين يوماً المقبلة.

وجاءت رسالة خامنئي لتؤكد أنه وافق على المضي في الاتفاق استناداً إلى تعهدات قدمها بزشكيان بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، تضمنت حماية مصالح الشعب الإيراني وعدم تقديم تنازلات تتجاوز الخطوط الحمراء، مع تشديده في الوقت نفسه على أن المفاوضات المباشرة مع واشنطن لا تعني القبول بوجهة نظرها أو التسليم بشروطها.

يأتي ذلك في وقت يصف فيه بزشكيان مذكرة التفاهم بأنها "وثيقة تاريخية" يمكن أن تفتح الباب أمام إنهاء العقوبات واستعادة تصدير النفط وجذب استثمارات ضخمة، بينما ينظر إليها التيار المحافظ والحرس الثوري بعين الريبة، مستحضرين تجربة الاتفاق النووي الذي وقعته حكومة حسن روحاني عام 2015 قبل أن تنسحب منه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقاً.

في هذا السياق، قال الباحث في الشأن الإيراني سعيد شاوردي لـ"إرم نيوز"، إن "خامنئي لا يتدخل في الصلاحيات التنفيذية للرئيس، ولذلك سمح لبزشكيان بإدارة ملف التفاوض رغم قناعته بأن التجربة مع الولايات المتحدة لا تدعو إلى التفاؤل، بعد أن أثبتت الوقائع السابقة أن واشنطن لا تلتزم بتعهداتها".

وأضاف شاوردي أن "القيادة الإيرانية ترى أن الحرب الأخيرة غيّرت موازين القوى، وأن طهران باتت في موقع يسمح لها بانتزاع مكاسب وضمانات أكبر، بينما يعتقد فريق الرئيس أن الفرصة الحالية يجب استثمارها لإنهاء العقوبات وتحقيق انتعاش اقتصادي واسع من خلال زيادة صادرات النفط والغاز واستقطاب الاستثمارات الأجنبية".

مناورة المرشد والحرس
ويشير مراقبون إلى أن تحميل الرئيس مسؤولية إدارة الملف يمنح الحرس الثوري، وكذلك المرشد الإيراني، مساحة للمناورة السياسية، إذ يمكنهما دعم المفاوضات إذا نجحت وإظهارها بوصفها إنجازاً للدولة، أو تحميل الحكومة تبعات أي إخفاق إذا عادت الأزمة إلى نقطة الصفر. 

وهذه مقاربة سبق أن ظهرت خلال تجربة الرئيس الأسبق حسن روحاني عندما تعرض لانتقادات حادة من التيار المحافظ بعد انهيار الاتفاق النووي الموقع مع إدارة أوباما.

كما تتزايد المخاوف داخل الأوساط المحافظة من أن يؤدي أي انفتاح واسع على الولايات المتحدة إلى تقوية موقع الإصلاحيين داخلياً، وهو ما قد ينعكس على توازنات السلطة وصناعة القرار في إيران، خاصة مع الحديث عن مشاريع اقتصادية كبرى ورفع تدريجي للعقوبات.

 بدوره، قال الباحث في السياسات الاستراتيجية كاظم ياور لـ"إرم نيوز"، إن "الحرس الثوري والتيار المحافظ ينظران إلى نجاح الإصلاحيين في التفاوض مع الولايات المتحدة بوصفه تهديداً لتوازنات السلطة داخل إيران، لأن أي انفتاح اقتصادي أو سياسي سيمنح حكومة بزشكيان زخماً داخلياً ودعماً دولياً قد يعزز نفوذها على حساب المؤسسات التقليدية".

وأضاف أن "الاحتجاجات والرسائل التي سبقت توقيع مذكرة التفاهم تؤكد رغبة المحافظين في التأكيد أن القرار النهائي ما زال بيدهم، وأن أي مسار تفاوضي أو مشروع استراتيجي لن يمر من دون موافقة المؤسسة المرتبطة بالحرس الثوري، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام صدامات سياسية داخلية خلال مرحلة المفاوضات المقبلة".

تبادل أدوار
ويرى مختصون أن هذا الانقسام لا يعني بالضرورة وجود صراع مفتوح داخل مؤسسات الحكم، بل قد يمثل توزيعاً للأدوار بين مراكز القوى المختلفة، بحيث يحتفظ المرشد والحرس الثوري بخطاب متشدد يرفع سقف المطالب، فيما تمنح الحكومة مساحة للتفاوض واختبار فرص الوصول إلى اتفاق اقتصادي وسياسي مع واشنطن. 

في المقابل، يعتقد آخرون أن تجربة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني لا تزال حاضرة، إذ ينظر المحافظون إلى الاتفاق النووي السابق بوصفه دليلاً على أن تقديم التنازلات لم يمنع عودة العقوبات أو الضغوط الأمريكية، وهو ما يدفعهم إلى الحذر من تكرار السيناريو ذاته مع بزشكيان.

ومع بدء العد التنازلي لمهلة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على اتفاق نهائي، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان الرئيس الإيراني سيحقق اختراقاً تاريخياً يعزز موقعه ويعيد إنعاش الاقتصاد، أم أن تعثر المسار سيحوّله إلى واجهة تتحمل وحدها كلفة الفشل، فيما تحافظ مراكز القوى التقليدية على مسافة سياسية آمنة من نتائج إحدى أكثر المفاوضات أهمية في تاريخ إيران.