المصدر: eremnews
الاثنين 29 حزيران 2026 17:42:39
كشفت مصادر لبنانية سياسية ومالية لـ"إرم نيوز" أن ميليشيا حزب الله بدأت التحضير لإطلاق مرحلة جديدة من دفع التعويضات المالية للمتضررين من الحرب الأخيرة، بعد وصول دفعات من الأموال الإيرانية عبر العراق، مخصصة لتغطية بدلات الإيواء وترميم المنازل المتضررة جزئياً وغير المهدمة، وسط ما وصفته المصادر بـ"غض نظر أمريكي" عن هذا المسار، طالما بقي محصوراً في الجانب الإنساني ولم يتحول إلى تمويل لإعادة بناء القدرات العسكرية للحزب.
وقال مصدر مالي لبناني مطلع على تحركات حزب الله المالية، إن اللجان التابعة للحزب أنجزت خلال الأسابيع الماضية مراجعة لوائح المتضررين في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، تمهيداً لبدء صرف دفعات جديدة خلال الفترة القريبة المقبلة، مع إعطاء الأولوية للعائلات التي لا تزال خارج منازلها أو التي تحتاج مساكنها إلى أعمال ترميم محدودة تسمح بعودتها إليها.
وأضاف أن الأموال وصلت عبر قنوات مالية مرتبطة بالعراق، في محاولة لتجنب الضغوط المفروضة على مسارات التمويل التقليدية، مشيرا إلى أن الحزب يحرص على الفصل بين هذا الملف والإنفاق العسكري، لتفادي أي اعتراض أمريكي أو إسرائيلي قد يعرقل وصول الأموال.
تهدئة اجتماعية.. لا إعمار
بحسب المصدر السياسي، لا ينظر حزب الله إلى التعويضات بوصفها التزاماً اجتماعياً فقط، بل باعتبارها جزءاً من معركة تثبيت بيئته الشعبية بعد الخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرب.
فالتأخير في تعويض آلاف العائلات بدأ ينعكس امتعاضاً داخل المناطق المؤيدة للحزب، الأمر الذي دفع قيادته إلى اعتبار ملف الإيواء والترميم أولوية لا تقل أهمية عن إعادة تنظيم أوضاعه العسكرية.
ويؤكد المصدر أن الحزب يسعى إلى احتواء أي شعور لدى جمهوره بأن الدولة اللبنانية عاجزة عن مساعدته، عبر إعادة تفعيل شبكته الخدماتية والاجتماعية، بما يضمن استمرار حضوره في المناطق المتضررة، ويمنع انتقال حالة الاستياء إلى مستوى سياسي.
وفي المقابل، تدرك الحكومة اللبنانية، وفق المصدر، أن قدرتها المالية لا تسمح بمنافسة الحزب في هذا الملف، فيما تتجنب واشنطن ممارسة ضغوط مباشرة لوقف هذه الأموال، خشية أن يؤدي ذلك إلى انفجار اجتماعي في الجنوب والضاحية، قد ينعكس على الاستقرار الداخلي.
واشنطن تراقب.. ولا تعترض
يقول الباحث السياسي اللبناني علي حمادة، في حديث لـ"إرم نيوز"، إن ما يتردد حول وصول دفعات من الأموال الإيرانية إلى حزب الله، يعكس مقاربة أمريكية براغماتية أكثر منها سياسية، موضحاً أن واشنطن تميز بين الأموال المخصصة لإعادة بناء البنية العسكرية للحزب، وبين الأموال التي تذهب إلى المدنيين المتضررين من الحرب.
ويقول حمادة إن الإدارة الأمريكية تدرك أن ترك عشرات آلاف المتضررين من دون أي دعم سيخلق بيئة أكثر توتراً، وربما يمنح الحزب فرصة لاستثمار الغضب الشعبي بطريقة مختلفة، لذلك فهي لا تضع ملف التعويضات الإنسانية في صدارة أولوياتها، طالما بقي بعيداً عن النشاط العسكري.
لكنه يشير في المقابل إلى أن "غض النظر" ليس مفتوحاً، بل يرتبط بقدرة المجتمع الدولي على مراقبة مسار الأموال، مؤكداً أن أي مؤشرات على استخدامها لإعادة بناء القدرات القتالية أو البنية التنظيمية للحزب ستدفع واشنطن إلى التحرك بسرعة لفرض ضغوط جديدة على شبكات التمويل.
ترميم المنازل.. أم ترميم النفوذ؟
يرى المصدر السياسي اللبناني أن أهمية هذه الدفعات تتجاوز قيمتها المالية، لأنها تمثل بداية مرحلة جديدة يسعى خلالها حزب الله إلى استعادة حضوره داخل بيئته من المدخل الاجتماعي، بعد أن فرضت عليه الحرب تقليصاً في هامش حركته العسكرية والسياسية.
ويضيف أن الحزب يدرك أن إعادة إعمار المنازل تمنحه فرصة لإعادة ترميم العلاقة مع جمهوره، خصوصاً في ظل بطء الدولة اللبنانية، واستمرار الضائقة الاقتصادية، وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على توفير بدائل حقيقية للمتضررين.
وبحسب المصدر، فإن الحزب يسعى إلى توجيه رسالة واضحة إلى جمهوره مفادها أنه، رغم الضغوط والعقوبات والخسائر، لا يزال قادراً على تأمين الدعم المالي والوقوف إلى جانب المتضررين، في وقت تعجز فيه الدولة عن القيام بهذا الدور.
وفي المقابل، يراقب المجتمع الدولي هذه التحركات بحذر، باعتبار أن نجاح الحزب في استعادة دوره الاجتماعي قد يمنحه فرصة لتعويض جزء من الخسائر السياسية التي تكبدها خلال الحرب، حتى لو بقيت قدراته العسكرية خاضعة لضغوط غير مسبوقة.
ولهذا، تبدو معركة التعويضات في لبنان اليوم أبعد من مجرد إعادة ترميم منازل متضررة؛ وأقرب لمعركة على النفوذ والشرعية داخل البيئة الحاضنة، بين دولة تفتقر إلى الإمكانات، وحزب يسعى إلى إثبات أن شبكته الاجتماعية ما زالت قادرة على ملء الفراغ.