المصدر: النهار
الكاتب: عباس صباغ
الجمعة 27 شباط 2026 08:41:51
للمرة الأولى منذ إعلان تأليف لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان والجانب الإسرائيلي، يغيب ممثلو تل أبيب العسكريون والمدنيون عن اجتماع "الميكانيزم" في الناقورة.
فالاجتماع الـ17 للجنة الذي جاء بعد شهر ونصف شهر على آخر اجتماع، قاطعه الوفد الإسرائيلي وغاب عنه رئيس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم.
توسط اجتماع "الميكانيزم" في الناقورة محطتين أساسيتين غير منفصلتين عن دائرة أهداف الاجتماع، هما لقاء القاهرة ومؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني.
إلا أن الوفد اللبناني في اجتماع "الميكانيزم"، على الرغم من غياب الوفد الإسرائيلي، قدّم عرضاً شاملاً للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، آخرها كان الاعتداء على الجيش اللبناني، وكرر الوفد مطالبه المعروفة التي تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي وتصل إلى إعادة الإعمار، مروراً بإطلاق الأسرى.
لكن المقاطعة الإسرائيلية تعني إعلان "الموت البطيء" للجنة خصوصاً في ظل عدم صدور أي تعليق من تل أبيب، باستثناء كلام لافت عن التنسيق العسكري المباشر بين لبنان وإسرائيل، وكأن الجانب الإسرائيلي يطرح البديل من "الميكانيزم"، ما دام كل اجتماع يقتصر على إدلاء الوفد اللبناني بما لديه من مطالب وعرض لسلسلة الاعتداءات وتأكيد مواصلة حصر السلاح شمال نهر الليطاني بعد إنهاء السيطرة العملانية على جنوب النهر.
والواقع أن غياب الجانب الإسرائيلي تزامن مع تزايد وتيرة الاعتداءات على لبنان بما لم توفر الجيش اللبناني. وفي سياق متصل، من الواضح أن واشنطن لم تعد مقتنعة باستمرار "الميكانيزم" بحسب العميد الركن المتقاعد هشام جابر، الذي يوضح لـ"النهار" أن "الأميركيين لا يريدون إشراك فرنسا في أي قرار أو رأي في ما يتعلق بالصراع العربي - الفرنسي، وتاليا يبحثون عن طريقة لإبعاد الفرنسيين، لكن الأهم من ذلك كله هو التصميم الأميركي على استنساخ النموذج السوري لجهة التفاوض المباشر مع إسرائيل".
وإضافة إلى ذلك، لا يجد لبنان الرسمي أيّ خيارات بديلة في حال فرض خيار التفاوض المباشر.
ما أقدمت عليه الحكومة منذ الصيف الفائت من خطوات لا يزال "حزب الله" يصفه بالتنازلات المجانية، ومن تلك الخطوات قرار حصر السلاح، ثم قرار رئاسي بتعيين سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني إلى اجتماعات "الميكانيزم"، وما بين المحطتين موافقة على "الورقة الأميركية".
ذلك المسار سيفضي حتماً إلى قبول الطلب الأميركي الذهاب إلى التفاوض السياسي المباشر، سواء استقر اختيار قبرص مكاناً للقاء الثلاثي الذي سيجمع لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل، أو نُفذت الرغبة الأميركية في التفاوض في قاعدة عسكرية أميركية لاستنساخ تجربة كمب ديفيد والتفاوض المصري - الإسرائيلي عام 1979.
وعلى قاعدة أن لبنان ليس لديه خيارات أخرى، ولا يستطيع القيام بشيء في ظل موازين القوى الحالية، وهي مواقف رسمية تتكرر دائماً في بيروت، سيكون الذهاب إلى التفاوض أمراً مفروضاً على لبنان بملاقاة داخلية من معظم الطبقة السياسية التي لن تجد أي حرج في الإقدام على مثل تلك الخطوة.
ومعلوم أن المعارض الأبرز لذلك التوجه سيكون "حزب الله"، انطلاقاً من موقف عقائدي ومبدئي لا يمكن أن يغيره مهما اشتدت الضغوط، مع تمسكه بعدم الصدام الداخلي.
ولكن هل يبقى السفير كرم بصفته ممثلاً رئاسياً، أو أن الأمور ستتغير ويوفد لبنان وزيراً حالياً أو شخصية سياسية، ستكون على الأغلب مارونية لتمثل لبنان في مفاوضات سبق أن خبرها عام 1983 وانتهت بتوقيع اتفاق 17 أيار الذي أسقطته انتفاضة 6 شباط 1984؟
مهما يكن السيناريو المقبل، فإن "الميكانيزم" تُحتضر، ولن يحين موعد الدفن قبل أن تفرض واشنطن طلباتها كاملة.