المصدر: نداء الوطن
الكاتب: ناديا غصوب
السبت 7 آذار 2026 07:23:59
لم يعد العالم يعيش مرحلة توترات عابرة أو أزمات إقليمية محدودة. ما يجري اليوم على امتداد الجغرافيا السياسية يبدو أقرب إلى سلسلة من الصدمات الاستراتيجية التي تعيد تشكيل ميزان القوى الدولي، وتدفع النظام العالمي الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة إلى حافة التحول. البداية كانت مع الزلزال الجيوسياسي الذي أحدثه الغزو الروسي لأوكرانيا 2022. فالحرب التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا لم تبقَ داخل حدودها الجغرافية، بل تحولت سريعًا إلى مواجهة غير مباشرة بين موسكو والغرب بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.
لكن المشهد لم يتوقف عند أوروبا فالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وخاصة بين إسرائيل وحزب الله، فتح جبهة جديدة في صراع يبدو أنه يتجاوز حدود المنطقة.
اللافت في هذه الصراعات أنها لا تسير نحو حسم سريع، بل نحو إنهاك متبادل. إنها حروب طويلة النفس، تعتمد على استنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية للخصوم.
وفي الأفق تلوح جبهة ثالثة قد تكون الأخطر على الإطلاق. فالمنافسة المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة في منطقة بحر الصين الجنوبي تمثل أخطر بؤرة توتر محتملة في النظام الدولي المعاصر. فهذه المنطقة ليست مجرد نزاع بحري، بل عقدة استراتيجية تتحكم بجزء كبير من التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي خلفية هذه الصراعات يظل السلاح النووي حاضرًا بوصفه خط الردع الأخير. فالدول الخمس المعترف بها ضمن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية — وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة — تمتلك الجزء الأكبر من الترسانة النووية العالمية، في حين توجد قوى نووية أخرى مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية خارج إطار المعاهدة.
أما في الشرق الأوسط، فتظل الشكوك تحيط بالقدرات النووية غير المعلنة لـ إسرائيل المرتبطة بـ مفاعل ديمونا النووي، بينما يثير تقدم البرنامج النووي لدى إيران قلقًا متزايدًا لدى القوى الإقليمية والدولية.
ومع تراكم هذه الأزمات، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يقف العالم على أعتاب حرب عالمية ثالثة، أم أننا نشهد مرحلة انتقالية تعيد تشكيل النظام الدولي دون انفجار شامل؟
اليوم، ومع تصاعد التوترات وتداخل الصراعات، يبدو أن العالم يسير مرة أخرى على حافة لحظة تاريخية فاصلة.
في هذا السياق أعلنت مصادر دبلوماسية أن الولايات المتحدة، عبر وساطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حددت أربعة شروط جديدة للبنان قبل أي تفاوض رسمي مع إسرائيل، وذلك بهدف وقف أي تصعيد محتمل بين البلدين. الشرط الأول يتضمن حصر شامل لسلاح حزب الله، بحيث يتولى الجيش اللبناني السيطرة الكاملة على جميع المخازن والأسلحة، بما في ذلك الصواريخ والمدافع والطائرات المسيرة، مع تنفيذ فعلي على الأرض في مناطق جنوب نهر الليطاني و شمال الليطاني والضاحية الجنوبية لبيروت ليشمل كل الاراضي اللبنانية.
الشرط الثاني يركز على توسيع نطاق اتفاق وقف إطلاق النار ليشمل كل لبنان، مع تفكيك كل المؤسسات التي قد تشكل خطرًا أو تمول حزب الله، بما في ذلك مؤسسات مالية مثل القرض الحسن، لضمان عدم تهديد أمن الدول المحيطة و تحديدا اسرائيل، مع الالتزام الكامل والحازم بالتنفيذ على الأرض، وليس الاكتفاء بإصدار القرارات في مجلس الوزراء فقط، ودون أي استثناءات.
الشرط الثالث ينص على أن تتم كل الإجراءات الأمنية تحت إشراف الدولة اللبنانية مباشرة، وأن لا يكتفي لبنان بإصدار القرارات في مجلس الوزراء دون تطبيقها على الأرض، لضمان إزالة أي قدرة هجومية لحزب الله تجاه إسرائيل بشكل فعلي وملموس.
وأخيرًا، تتضمن الشروط رفع مستوى التفاوض إلى وزراء الخارجية مباشرة، بحيث تُجرى مفاوضات رسمية بين وزيري خارجية لبنان وإسرائيل، كما حصل في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 مع وزير الخارجية اللبناني فارس بويز مباشرة، دون وسطاء، لتحديد تفاصيل تنفيذ هذه الشروط ضمن إطار رسمي وواضح.
اليوم، ومع تصاعد التوترات وتداخل الصراعات، يبدو أن العالم يسير مرة أخرى على حافة لحظة تاريخية فاصلة. لحظة قد تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي، وتحدد شكل النظام الدولي لعقود قادمة.