طهران تفسر أزمة الجفاف: الأعداء يحوّلون مسار الغيوم!

تشهد إيران موجة احتجاجات غير مسبوقة في لحظة يعد فيها النظام الأضعف منذ عقود، مع تزامن أزمات اقتصادية خانقة وانهيارات في الموارد الأساسية وتآكل القدرة المالية للدولة. وبينما بدأت الشرارة من الضغوط المعيشية، تحولت الاحتجاجات إلى تعبير عن أزمة أعمق تمس شرعية الحكم نفسه، في ظل نظام يواجه اختلالاً بنيوياً متعدد الأبعاد ويكافح للحفاظ على بقائه، ليس فقط عبر أساليب اقتصادية ملتوية، بل أيضاً عبر الدعاية التي تقول مثلاً أن سبب أزمة الجفاف المحلية يعود لتحويل الأعداء مسار الغيوم عن البلاد!

هذا ما أكدت عليه المحللة السياسية زينب ريبوا، الباحثة في "مركز السلام والأمن بالشرق الأوسط" في "معهد هدسون" الأميركي، في تقرير نشرته مجلة "ناشونال إنترست" الأميركية. وقالت ريبوا أن موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران تشير إلى أنها تصيب النظام في أكثر لحظاته ضعفاً منذ عقود، حسبما نقلت "وكالة الأنباء الألمانية".

وفي الأيام الماضية، أخذت انتفاضة شعبية آخذة في الاتساع تتشكل في مختلف أنحاء إيران، مع تصاعد الاحتجاجات المدفوعة بتفاقم الفوضى الاقتصادية. وأسفرت الاضطرابات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً واعتقال نحو ألف آخرين. ورغم أن جذور الاحتجاجات تعود إلى الضغوط الاقتصادية، فإن المظالم الشعبية تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث تعبر عن مواجهة أعمق مع النظام السياسي للجمهورية الإسلامية نفسه.  وخلافاً لموجات الاحتجاج السابقة، تأتي الاضطرابات في وقت تتعثر فيه ركائز النظام الأساسية، الجدوى الاقتصادية والقدرة القسرية والردع الخارجي، في آن واحد، ما يخلق أزمة بنيوية لم يواجهها النظام من قبل وربما لا ينجو منها.

"مؤامرة"

وبحسب ريبوا، تتجلى إخفاقات النظام بشكل صارخ في تسارع أزمة المياه في إيران، التي تحولت من ضغط بيئي إلى خط صدع سياسي. فبلد يزيد عدد سكانه على 90 مليون نسمة يواجه أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من نصف قرن، مع انهيار طبقات المياه الجوفية، وجفاف الأنهار، واتساع نطاق ترشيد استهلاك المياه في المدن والأقاليم. وبدلاً من معالجة عقود من سياسات بناء السدود المتهورة والزراعة غير المستدامة، لجأ النظام بشكل متزايد إلى تحميل الخارج المسؤولية، حيث اتهم مسؤولون إيرانيون ووسائل إعلام موالية للدولة دولاً مجاورة مثل تركيا والإمارات والسعودية بتحويل سحب المطر، ولاحقا زعموا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتلاعبان بالطقس.

وتسهم أزمة المياه مباشرة في تفاقم الانقطاعات الطويلة للكهرباء، ما يزيد من حدة السخط الشعبي. حيث يعتمد توليد الطاقة في إيران إلى حد كبير على بنية تحتية كثيفة الاستهلاك للمياه، ما يجعل شبكة الكهرباء عرضة للانهيار مع تراجع منسوب الخزانات. وأصبحت الانقطاعات المزمنة للتيار الكهربائي تعطل الحياة اليومية، محولة فشل البنية التحتية إلى غضب سياسي مباشر، يؤدي إلى جانب شح المياه إلى اتساع نطاق الاضطرابات الجماهيرية.

وقالت ريبوا أن الإخفاقات في الموارد ليست سوى أعراض لقيد أعمق، لا يعمل على مستوى البنية التحتية، بل على مستوى التمويل وقدرة الدولة. حيث فرضت الإدارتان الأولى والثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات غير مسبوقة من حيث النطاق والحدة. ففي إطار حملة "الضغط الأقصى" الأولى، أدى تصنيف البنك المركزي الإيراني على أساس تمويل الإرهاب إلى فصل البلاد عن النظام المالي العالمي. وأجبر هذا الإجراء وحده طهران على الاعتماد على بنية مالية ظلية مرتجلة، تتركز في دبي وتركيا وهونغ كونغ، وهو نظام تعمل إدارة ترمب الثانية حالياً على تضييقه عبر توسيع نطاق العقوبات.

النفط على حساب الاقتصاد

وتحافظ البنية المالية الظلية للجمهورية الإسلامية على استمرار مبيعات النفط والتجارة الأساسية بالكاد، لكنها تفعل ذلك مستهترة بالضرر الاقتصادي البنيوي. فمن خلال العمل عبر وسطاء غامضين، تتسرب القيمة المالية وتتسارع وتيرة هروب رؤوس الأموال. والأهم من ذلك، أن هذه البنية تقطع البنك المركزي عن الوصول الموثوق إلى العملات الصعبة، ما يجعله عاجزاً بنيوياً عن استقرار الريال أو كبح التضخم. وتفاقم العقوبات الأميركية هذه الدينامية عبر حبس إيران داخل قنوات غير رسمية تعطي أولوية لبقاء النظام على حساب الاستقرار الاقتصادي الكلي، ما يسمح بإعادة توجيه الموارد نحو الأجهزة الأمنية خلال فترات الاضطراب، بينما تنهار السياسة النقدية إلى مجرد رمزية عاجزة عن امتصاص الصدمات أو استعادة الثقة.

إلى ذلك، قيدت العقوبات الأميركية بشدة قاعدة صادرات النفط الإيرانية، ما أدى إلى تضييق حاد في دائرة المشترين. وباتت الصين تستحوذ على ما يقدر بنحو 90% من صادرات إيران من النفط الخام، واضعة طهران في موقع اعتماد شبه كامل. ويتيح هذا الاختلال لبكين فرض شروطها، وانتزاع خصومات كبيرة وتأخير المدفوعات، واستبدال النقد في كثير من الأحيان بترتيبات مقايضة. وبما أن عائدات النفط مازالت العمود الفقري للدولة الإيرانية، فإن أي تقلب في أسعار النفط أو في سلوك المشترين يقوض مباشرة القدرة المالية للنظام. وأي تراجع مستدام في أسعار النفط العالمية، بما في ذلك السيناريوهات التي تتضمن عودة فنزويلا إلى الأسواق الدولية، سيترجم إلى صدمة مالية فورية وقاسية لنظام طهران.

مجموعة محدودة من مُشتري النفط

وأدت القيود مجتمعة إلى إنتاج هيكل موازنة مشوه بعمق. فالموازنة الوطنية الإيرانية باتت عملياً منقسمة بين مخصصات مقومة بالريال وأخرى مقومة بالنفط الخام. ونظراً لعدم قدرة إيران على بيع نفطها عبر القنوات المالية التقليدية، باتت تستخدم النفط بشكل متزايد كبديل للنقد، خصوصاً لتمويل القطاع الأمني. على سبيل المثال، تتلقى وزارة الدفاع مخصصات بالريال وشحنات نفط في آن واحد، يتعين عليها بيعها بشكل مستقل لتمويل التسليح والعمليات ودعم القوات الوكيلة. ويدفع هذا النظام النفط الإيراني نحو مجموعة محدودة من المشترين، في مقدمتهم الصين، ويجبر مؤسسات الدولة على التنافس في ما بينها على بيع الخام، ما يؤدي إلى خفض الأسعار عبر الخصومات، ويقلص الإيرادات الوطنية بشكل أكبر.

في الوقت نفسه، أجبر نقص العملات الأجنبية النظام على فرض ضوابط شديدة على الريال. حيث تحافظ إيران حالياً على سعر صرف رسمي يقارب 42 ألف ريال للدولار الواحد، إلى جانب سعر في السوق الموازية يزيد عليه بأضعاف. واندلعت أحدث موجات الاحتجاج مع اقتراب سعر السوق من 45ر1 مليون ريال للدولار الواحد.وبحسب ريبوا فإن هذا الفارق الهائل يشوه الحياة الاقتصادية اليومية بثلاث طرق مشددة:

أولاً، بلغ التضخم مستويات الأزمة، حيث تظهر البيانات الرسمية معدلاً قدره 2ر42% في كانون الأول/ديسمبر 2025، بزيادة 8ر1 نقطة مئوية عن تشرين الثاني/نوفمبر 2025، فيما قفزت أسعار الغذاء بنسبة 72% وارتفعت أسعار السلع الصحية والطبية بنسبة 50% على أساس سنوي. ومع أزمة مياه مدارة بسوء، تؤدي هذه الضغوط إلى رفع حاد في كلفة الضروريات الأساسية.

ثانياً، يؤدي تآكل المعاشات التقاعدية والمدخرات إلى إجبار الأسر على التخلي عن التخطيط طويل الأجل والانتقال إلى نمط البقاء، ما يسرع الهروب من الريال نحو الأصول الصلبة. ثالثاً، يقوض فقدان الثقة بالعملة مباشرة قدرة الجمهورية الإسلامية على الحكم. فعندما يفقد الريال وظيفته كمخزن للقيمة، تفقد الضرائب وإعداد الموازنات وضوابط الأسعار مصداقيتها.

الإعانات أدوات سياسية

ورأت ريبوا أنه لهذا السبب، باتت حتى الإجراءات المالية الروتينية تثير ردود أفعال غاضبة. كما أن بنية الإنفاق الحكومي نفسها تعزز هذا الانطباع. حيث تعمل الإعانات وإعادة التوزيع أقل كحماية اجتماعية، وأكثر كأدوات للإدارة السياسية. وتجسد إعانات الوقود هذه الإشكالية بوضوح. وتفاقم الأولويات الخارجية للنظام الاختلالات الداخلية. فرغم الانهيار الداخلي، تواصل طهران تخصيص موارد كبيرة لعملائها الإقليميين والقوى الوكيلة، وغالباً ما يكون ذلك على حساب الاستثمار المحلي.

وعلى مستوى أعمق، تكشف الانهيارات عن نظام لا يستطيع الاعتراف بالخطأ. فالجمهورية الإسلامية تقوم على ادعاء أيديولوجي مفاده أن المرشد الأعلى والمؤسسة الدينية التي توجهه ليسوا مجرد أصحاب سلطة، بل هم على حق جوهرياً. وفي هذا التصور، لا يعزى الفشل أبداً إلى قرارات النظام الخاطئة، بل يحمل للأعداء أو للتخريب أو لعدم كفاية الولاء. وتجعل هذه العقلية تصحيح المسار شبه مستحيل. فعندما تفشل السياسات، لا يكون الرد هو التعديل، بل الإنكار والقمع، حتى مع ازدياد صعوبة الحياة اليومية وتراكم الضغوط.

وخلصت ريبوا إلى أن النظام ربما ينجو من هذه المرحلة، لكن ذلك لن يكون إلا عبر تسريع انهيار أطول أمداً، يحافظ فيه على السلطة على حساب قابلية البقاء، وتتحول فيه عملية البقاء ذاتها إلى مسار من التراجع بدلاً من التعافي. وقالت: "إنها بالفعل بداية النهاية".