المصدر: أساس ميديا
الكاتب: وليد شقير
الثلاثاء 21 نيسان 2026 08:10:03
يستمرّ التجاذب بين مساعي فصل لبنان عن إيران لوقف الحرب فيه، وبين ربط طهران قرار الحرب أو وقفها بها. ليست حملة “الحزب” ضدّ رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون سوى صدىً لحنق طهران على سحبه، ورئيس الحكومة نوّاف سلام، ورقة لبنان من يدها. استعداد عون للتفاوض المباشر مع إسرائيل لإنقاذ ما بقي من وحشيّة إسرائيل لا يعني اندفاعه نحو التطبيع والسلام معها. يلتزم الحكم اللبنانيّ سقف الموقف العربيّ، ولا سيما السعوديّ، بهذا الشأن.
يرغب قادة إيران بإبقاء مصير لبنان معلّقاً، وكذلك الهدنة فيه، بانتظار ما ستؤول إليه محادثات إسلام آباد. يتقاطعون في ذلك مع مواصلة إسرائيل تثبيت أقدامها في المناطق الجنوبيّة التي احتلّتها.
الأفظع أنّ المسؤولين الإيرانيّين، ومعهم “الحزب”، يرهنون لبنان للتجاذبات وتوزيع الأدوار داخل النظام الإيرانيّ على وقع التفاوض بينهم وبين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. هذا هو الهدف الفعليّ لتصريحات بعض رموز “الحزب” ضدّ الرئيس عون، بحجّة رفضهم إقباله على التفاوض المباشر مع إسرائيل. لم يرُق لقادة “حرس الثورة” أن يفصل لبنان الرسميّ مفاوضاته عن محادثات طهران مع أميركا، لأنّه بذلك يضعف استخدامهم ورقة “الحزب” في تلك المحادثات، إن لم يكن قد عطّلها بالكامل. أغاظهم قول الرئيس عون في كلمته للّبنانيّين: “استعدنا لبنان وقرار لبنان، للمرّة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا”. هذا ما يفسّر “حشر” محمّد باقر قاليباف أنفه في جهود قرار وقف النار الذي أعلنه ترامب في 16 نيسان، والادّعاء المفضوح أنّ بلاده استخدمت ورقة إقفال مضيق هرمز لوقف النار في لبنان، بعدما فُضِح حضوره الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد في 8 نيسان، بينما كان لبنان يتعرّض للقصف الإسرائيليّ لأكثر من 7 أيّام، حتّى إعلان ترامب وقف النار على الجبهة اللبنانيّة.
إدارة إيرانيّة للخطاب الإعلاميّ؟
سواء كان الاضطراب الإيرانيّ حيال ادّعاء فتح أو إغلاق مضيق هرمز جرّاء خلافات أو توزيعاً للأدوار بين مواقع النفوذ، انعكس الأمر لدى “الحزب” خطاباً فائق السورياليّة. إذ بينما كان النازحون ينتقلون لتفقّد الخراب في منازلهم وممتلكاتهم، ثمّ يعودون إلى مراكز الإيواء، استنسخ تهديد “الحزب” ووعيده للحكم اللبنانيّ بمصير أنور السادات نهجاً إيرانيّاً يعتبر “إدارة الخطاب الإعلاميّ” جزءاً من الحرب. هذا التوجّه ترجمته الصحافة الإيرانيّة الناطقة باسم التيّار المتشدّد، فرأت أنّ إعلان عبّاس عراقجي فتح هرمز أتاح لترامب “تصوير إيران دولة مستسلمة… وخدم أميركا وإسرائيل”.
قضى خطاب طهران و”الحزب” الإعلاميّ باستباق المفاوضات المباشرة المزمعة مع إسرائيل وإمكان السلام معها، بسبب قوله إنّه يتحمّل “مسؤوليّة الذهاب حيثما كان لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي”… ولبنان “دخل بعد وقف النار مرحلة جديدة هي الانتقال إلى العمل على اتّفاقات دائمة”….
العباءة العربيّة ونموذج سوريا
لكنّ الموقف اللبنانيّ يرتكز على مبدأين:
1- ما اقترحه ترامب من جمع الرئيس عون وبنيامين نتنياهو في البيت الأبيض ليس وارداً، وفق قول الأوساط الرئاسيّة لـ”أساس”. في المبدأ، تتوِّج لقاءات كهذه مساراً تفاوضيّاً أنجز اتّفاقاً ما. لبنانيّاً، ليس مطروحاً ذلك في ظلّ الاحتلال. كان عون أبلغ وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو الأسبوع الماضي أنّ اقتراح إجراء مكالمة ثلاثيّة مع نتنياهو غير وارد “فيما إسرائيل تحتلّ أرضنا وتواصل عمليّات القتل”، ولقي هذا تفهّماً من روبيو، وليس ما يمنع حصول تحضيرات لزيارة لعون للبيت الأبيض للقاء منفرد مع ترامب.
2- أي اتّفاق سلام بين لبنان وإسرائيل يستحيل أن يتمّ بمعزل عن الموقف العربيّ. يستظلّ لبنان بهذا الصدد العباءة السعوديّة الرافضة للتطبيع مع إسرائيل قبل مسار عمليّ واضح لقيام دولة فلسطينيّة. يحذو بذلك حذو سوريا التي خاضت مع تل أبيب مفاوضات مباشرة من أجل ترتيبات أمنيّة في ضوء احتلال إسرائيل، تستند إلى اتّفاق فصل القوّات لسنة 1974 ووجوب عودة إسرائيل إلى خطوط ذلك التاريخ. لقد فشلت هذه المفاوضات حتّى الآن، علاوة على تفهّم ترامب لامتناع الرئيس أحمد الشرع عن التفاوض في اتفاقيّة سلام بانتظار تطبيق مبادرة السلام العربيّة لعام 2002، التي تشترط قيام دولة فلسطين، مع اعتبار ضمّ تل أبيب الجولان “باطلاً”.
تمديد وقف النّار و”تعاطف” ترامب
إلّا أنّ مسار التفاوض الذي أعلنته واشنطن بعد جمعها سفيرَي لبنان وإسرائيل في 14 نيسان منفصل كليّاً عن البحث في السلام، كما أوضح الرئيس عون أمس. يفرض ذلك على لبنان أن يحدّد منهجيّة التفاوض وجدول مطالبه والسقف الذي يقبل به.
يستكمل هذا المسار جهود وقف الحرب كالآتي:
– تمديد هدنة العشرة أيّام (تنتهي منتصف ليل 26 نيسان)، الذي بدأ عون بحثه أمس مع السفير الأميركيّ ميشال عيسى. لا تنكر الأوساط الرئاسيّة لـ”أساس” أنّ التمديد سيتأثّر بمناخ التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ هذا الأسبوع. يعتمد الرئيس عون على الدعم الذي لقيه من ترامب وتعاطفه مع لبنان.
– ينطلق لبنان من التمسّك بتنفيذ مضمون اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة (27 تشرين الثاني 2024)، الذي ينصّ على تطبيق القرار الدوليّ 1701 وسائر القرارات الدوليّة.
– تحقيق المطالب اللبنانية بانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني والإفراج عن الأسرى، وعودة النازحين وترسيم الحدود، ومطالب إسرائيل بترتيبات تضمن أمن شمالها.
– سحب سلاح “الحزب” الذي يقع على عاتق السلطة اللبنانيّة. في هذا المجال، قالت مصادر مطّلعة لـ”أساس” إنّ السفير عيسى لعب دوراً في إقناع إدارته بأنّ هذه العمليّة لن تتمّ بالصدام مع “الحزب”. يقابل هذه المعطيات أنّ إلزام “الحزب” بالتزام وقف النار سيسمح بمواصلة مسار التفاوض من أجل انسحاب إسرائيل من الجنوب، وهو ما يعني انتفاء الحاجة إلى السلاح. ينسّق الرئيس عون مع رئيس البرلمان نبيه برّي في هذا الصدد في كلّ الخطوات التي يُقدم عليها، ويلمس منه تأييداً وتجاوباً.
– اتّفاق عدم اعتداء بين الدولتين يكرّس الوقف النهائيّ للأعمال العدائيّة.