المصدر: المدن
السبت 11 نيسان 2026 22:51:56
اقترب "ثلاثاء واشنطن" الموعود، وسط ألغام سياسية وميدانية تعترض لبنان، في ظل التناقضات الإقليمية والانقسامات الداخلية التي ربما يهدد تفاقمها بتحويل فرصة النجاة اللبنانية إلى فتيل انفجار. وهذا المناخ دفع الجيش إلى إصدار بيان حازم اللهجة اليوم، أكد فيه أن التحركات التي يجري تنظيمها ستكون متاحة ما دامت تحترم القوانين والأملاك العامة والخاصة. إلا أن الجيش سيتصدى بحزم لأي مس بالاستقرار والسلم الأهلي. وهذا التحذير يكتسب أهمية فائقة في هذا التوقيت الدقيق.
الإشكالية الأساسية في المفاوضات تتجلى في الموقف الإسرائيلي الفائق الوضوح. فتل أبيب، عبر سفيرها في واشنطن، أبلغت السفيرة ندى حمادة، قبولها التفاوض على "اتفاق سلام" مع الدولة اللبنانية، لكنها فصلت هذا المسار تمامًا عن العمليات العسكرية ضد حزب الله. وهذا الموقف يضع الدولة في موقف حساس: كيف يمكن التفاوض على اتفاقيات كبرى فيما النيران تلتهم الجنوب والبقاع والضاحية؟
على المقلب الآخر، لوحت طهران من إسلام آباد بفرط مسار التفاوض مع واشنطن إذا لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. لكن المفاوضات انطلقت في النتيجة. إلا أن الأخطر هو الرسالة التي وجهها مستشار قائد الثورة علي ولايتي إلى لبنان، وتحديدًا إلى رئيس الحكومة نواف سلام، ومفادها أن أي محاولة لتجاوز دور حزب الله أو القفز فوق "تكامل الحكومة والمقاومة" هي مغامرة غير مأمونة العواقب، وتضع أمن لبنان في مهب "مخاطر لا يمكن تعويضها".
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة، لأنها تواكب التحرك الشعبي الذي دفع به الحزب إلى الشارع أمس، رفضًا لصيغة المفاوضات المباشرة. لكن هذا التحرك استنفر في المقابل داعمي الرئيس سلام. وقد برز اليوم ما يمكن وصفه بـ"الغطاء الوطني والديني" الذي منحه المفتي عبد اللطيف دريان لسلام، بوصف مواقفه بـ "الشجاعة والمسؤولة". وهذا الموقف له مغزاه. وفي أي حال، أعلن سلام بعد ظهر اليوم عن إلغاء زيارته التي كانت مقررة لواشنطن ونيويورك، والبقاء في بيروت لمزاولة الأعمال والحفاظ على الأمن.
إذًا، سيكون يوم الثلاثاء المقبل اختبارًا لمدى قدرة الدولة اللبنانية على المناورة بين المطالب الإسرائيلية التعجيزية، والتحذيرات الإيرانية التي تدعم اعتراضات الحزب. فهل يتجه لبنان إلى لملمة التباين أم إلى الاصطفاف الطائفي والسياسي حول جدوى التفاوض، ما يهدد الاستقرار السياسي؟ وهل ينجح سلام في اجتراح المخرج- المعجزة، أم أن دخان الغارات سيتفوق على الحلول السياسية، ليبقى لبنان ضحية في الصراع الإقليمي الكبير، كما كان دائمًا؟
سلام يبقى في بيروت: قرار أمنيّ بامتياز
"في ظلّ الأوضاع الدّاخليّة الحاضرة، وحرصًا على القيام بواجبي كاملًا في الحفاظ على أمن اللّبنانيّين ووحدتهم، قرّرت تأجيل سفري إلى الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة، لمتابعة عمل الحكومة من بيروت". بهذه العبارة، دشّن رئيس الحكومة نواف سلام مرحلةً سياسيّةً بالغة الحساسيّة، عنوانها الواضح أنّ البلاد دخلت منطقة الاشتباك المفتوح بين الدبلوماسيّة والنّار.
قرار سلام لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًّا، ولا مجرّد تعديلٍ على جدول سفر، بل إشارةٌ سياسيّةٌ مباشرة إلى أنّ بيروت باتت في قلب لحظةٍ مفصليّة، تتقدّم فيها الحسابات الأمنيّة على الاعتبارات الدبلوماسيّة، ويصبح فيها بقاء رئيس الحكومة في العاصمة جزءًا من إدارة الأزمة، لا تفصيلًا إداريًّا عابرًا. فالدولة، في هذه اللحظة، لا تواجه فقط احتمال فتح قناة تفاوضيّة مباشرة مع إسرائيل، بل تواجه أيضًا خطر انفلات الدّاخل تحت ضغط الشارع والانقسام والسقف الإقليمي المرتفع.
اتّصال واشنطن: بداية المسار الشّائك
في موازاة قرار سلام، برز الاتّصال الثلاثي بين السّفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر، والسّفيرة اللّبنانيّة ندى معوّض، والسّفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، بوصفه المؤشّر العمليّ الأوّل إلى أنّ واشنطن قرّرت الانتقال من إدارة النار إلى محاولة تنظيمها سياسيًّا.
الرّئاسة اللّبنانيّة أكّدت حصول المحادثة، وكشفت أنّ التّوافق جرى على عقد اجتماعٍ أوّل يوم الثّلاثاء المقبل في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة، لبحث إعلان وقفٍ لإطلاق النّار وموعد بدء التّفاوض بين لبنان وإسرائيل برعايةٍ أميركيّة. وهذا التّأكيد لا يكتفي بتثبيت الواقعة، بل يضعها في خانة المسار الرّسمي، أي إنّ الدّولة اللّبنانيّة لم تعد تتعامل مع الأمر باعتباره تسرّبًا أو جسّ نبض، بل بوصفه استحقاقًا داهمًا.
لكنّ هذا المسار، منذ لحظته الأولى، بدا محاطًا بتناقضٍ جوهريّ: بيروت تريد هدنةً تفتح باب التّفاوض، فيما تريد إسرائيل تفاوضًا يجري تحت النّار، أو على الأقل من دون أيّ التزامٍ مسبق بوقف عملياتها العسكريّة.
مصدرٌ لبنانيّ تحدّث عن توجّه السفيرة اللّبنانيّة إلى طلب وقفٍ لإطلاق النّار، أو هدنةٍ تُقدَّم كبادرة حسن نيّة قبل انطلاق التّفاوض. وهذا الطّلب ليس شكليًّا، لأنّ أيّ مفاوضات تُعقد فيما الجنوب والبقاع والضّاحية تحت الغارات ستبدو، في نظر جزءٍ واسعٍ من اللّبنانيّين، تفاوضًا بالإكراه لا تفاوضًا بين دولتين.
في المقابل، جاء الموقف الإسرائيليّ بالغ الوضوح، وربّما بالغ القسوة أيضًا. فالسّفير الإسرائيليّ في واشنطن أعلن أنّ إسرائيل وافقت على اجتماع الثّلاثاء من أجل المضيّ قدمًا نحو "اتّفاق سلام" مع لبنان، لكنّها لم توافق على مناقشة وقف إطلاق النّار مع "حزب الله" الذي يواصل مهاجمة إسرائيل، بحسب تعبيره.
هذا الفصل الإسرائيليّ بين المسار السّياسيّ والواقع الميدانيّ ليس تفصيلًا تقنيًّا، بل هو جوهر المقاربة الإسرائيليّة كلّها. فتل أبيب تريد من الدولة اللّبنانيّة أن تدخل قاعة التّفاوض بصفتها جهةً رسميّةً معنيّةً بالتزامات كبرى، فيما تترك لنفسها حرّيّة مواصلة الضّربات العسكريّة ضدّ الحزب، أي إنّها تسعى إلى انتزاع تنازلٍ سياسيّ تحت ضغطٍ ناريّ مستمرّ.
الضّغط الأميركيّ: تهدئةٌ مشروطة
المعطيات المتداولة تُظهر أنّ واشنطن تدعم مطلب بيروت بالحصول على هدنةٍ تمهيديّة، وتضغط على إسرائيل للقبول بها، فيما يدرس رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو الأمر من دون أن يكون قد حسم قراره نهائيًّا. كما تحدّثت المعلومات عن مساعٍ أميركيّة لانتزاع وقفٍ مؤقّت للهجمات الإسرائيليّة على "حزب الله"، بما يهيّئ الأرضيّة لانطلاق المفاوضات.
لكنّ الضّغط الأميركيّ، على أهمّيّته، لا يعني بالضّرورة انقلابًا على المقاربة الإسرائيليّة. فالولايات المتّحدة تريد تهدئةً تكفي لإطلاق المسار السياسيّ، لا فرض تسويةٍ كاملةٍ على إسرائيل. وهي، في الوقت نفسه، تحاول أن تُنتج "بادرة حسن نيّة" من الجانب الإسرائيليّ تُسوَّق في بيروت على أنّها ثمرة تفاهمٍ سياسيّ، لا نتيجة استجابةٍ لتهديدٍ إيرانيّ أو لتصعيدٍ ميدانيّ.
وبحسب التّقارير، فإنّ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب يمارس ضغوطًا على إسرائيل لإنهاء الحرب على لبنان، وقد ترافق ذلك مع حديثٍ عن اتّصالٍ متوتّر بينه وبين نتنياهو، سبق إعلان إسرائيل الانخراط في التفاوض مع لبنان. وإذا صحّت هذه المعطيات، فهذا يعني أنّ واشنطن لا تريد فقط وقف الانفجار على الجبهة اللّبنانيّة، بل تريد أيضًا ضبط إيقاع المنطقة كلّها في لحظة تفاوضٍ أوسع مع إيران.
في هذا الإطار، تحدّثت معلومات دبلوماسيّة عن أنّ إسرائيل وافقت، بناءً على طلبٍ أميركيّ، على وقف هجماتها على بيروت، أو على الأقل تقليصها، في ظلّ تقديراتٍ تفيد بأنّه لم يعد لديها أهدافٌ عسكريّة وازنة في العاصمة. كما نُقل عن مصدرٍ إسرائيليّ أنّه "لا يوجد وقفٌ لإطلاق النّار، لكن هناك تقليصًا كبيرًا جدًّا في الهجمات وقيودًا فرضها المستوى السّياسيّ".
هذه الصّيغة تكشف جوهر المناورة الإسرائيليّة: لا وقفًا للحرب، بل إعادة تنظيم للنّار، بحيث تُخفَّف الضّربات في مكان، وتُكثَّف في مكانٍ آخر، وتُستخدم المرونة التكتيكيّة لتسهيل انطلاق التّفاوض من دون التخلّي عن أوراق الضغط.
ولهذا السّبب تحديدًا، يبدو الإصرار الإسرائيليّ على فصل وقف إطلاق النّار عن التّفاوض شديد الدلالة. فالمطلوب، إسرائيليًّا، هو أن تدخل بيروت في مسارٍ تفاوضيّ يكرّس شروط القوة، لا أن تحصل على هدنةٍ متوازنة تتيح لها التفاوض من موقع دولةٍ كاملة السيادة.
كما أنّ تكليف رون ديرمر بتنسيق هذا المسار، على أن يتولّى السفير الإسرائيليّ في واشنطن إدارته، يعكس رغبةً إسرائيليّةً واضحة في إبقاء الملفّ في الحاضنة الأميركيّة المباشرة، حيث تستطيع تل أبيب إدارة الضغط الدوليّ، وتخفيف كلفته، وتحويل المفاوضات إلى جزءٍ من معركة العلاقات العامّة والدبلوماسيّة.
طهران على الخطّ: رسالة منع الفصل
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الحراك عن الرّسائل الإيرانيّة الواضحة. فطهران، من خلال التلويح بتعطيل مسار التّفاوض مع واشنطن إذا استمرّت الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان، حاولت أن تقول إنّ الجبهة اللّبنانيّة ليست ملفًّا منفصلًا، بل جزءٌ من شبكة تفاوضٍ إقليميّ مترابطة.
غير أنّ الرّسالة الأشدّ وقعًا كانت تلك التي نُسبت إلى مستشار قائد الثورة علي ولايتي، ومفادها أنّ أيّ محاولة لتجاوز دور "حزب الله"، أو القفز فوق معادلة "تكامل الحكومة والمقاومة"، ستكون مغامرةً خطرةً على أمن لبنان. وهذه الرّسالة، في معناها السّياسيّ العميق، تقول إنّ أيّ مسار تفاوضيّ لا يأخذ في الاعتبار موقع الحزب ودوره، أو يسعى إلى عزله عن المشهد، سيُواجَه باعتراضٍ صلب، لا من الحزب وحده، بل من الرّاعي الإقليميّ الأبرز له.
وهنا تكمن عقدة نواف سلام الحقيقيّة: كيف يفاوض باسم الدّولة، من دون أن يبدو أنّه يفاوض على الدّولة نفسها، أو على موقع أحد أبرز مكوّناتها القسريّة في ميزان القوّة؟
الشّارع يستعدّ: بين تعبئة الحزب وغطاء المفتي
التّصعيد لم يبقَ في حدود الرسائل الدبلوماسيّة. فالحزب دفع بتحرّكٍ شعبيّ إلى الشارع رفضًا لصيغة المفاوضات المباشرة، واضعًا حدًّا مبكرًا لأيّ محاولة تسويق داخليّ لمسارٍ يبدو، في نظر بيئته، أقرب إلى استدراجٍ سياسيّ تحت القصف. وفي المقابل، استنفر داعمو رئيس الحكومة، في مشهدٍ عكس حجم الانقسام المتزايد حول معنى التفاوض وحدوده وأهدافه.
وبرز في هذا السّياق ما يشبه الغطاء الوطنيّ والدّينيّ الذي منحه المفتي عبد اللطيف دريان لسلام، عبر وصف مواقفه بأنّها "شجاعة ومسؤولة". وهذا الموقف ليس تفصيلًا معنويًّا، بل عنصر توازن داخليّ بالغ الأهمّيّة، لأنّه يمنح رئيس الحكومة شرعيّةً إضافيّةً في لحظةٍ تتداخل فيها الطائفة بالسّياسة، ويصعب فيها الفصل بين موقف الدّولة وحسابات البيئات الحاضنة.
وسط هذا المشهد، جاء بيان الجيش حاسمًا في لهجته، فأعلن أنّ التحركات متاحة ما دامت تحترم القوانين والأملاك العامّة والخاصّة، لكنّه سيتصدّى بحزمٍ لأيّ مسّ بالاستقرار والسّلم الأهلي. وهذه اللّهجة لا تُقرأ فقط في إطار الضّبط الأمنيّ، بل في إطار إدراك المؤسّسة العسكريّة أنّ البلاد تقف على حافّة انزلاقٍ داخليّ، وأنّ أيّ تعبئةٍ سياسيّةٍ أو مذهبيّةٍ منفلتة قد تحوّل "ثلاثاء واشنطن" من موعد تفاوضٍ إلى موعد تفجيرٍ داخليّ.
فالجيش، في هذه المرحلة، لا يحرس الشارع فقط، بل يحرس أيضًا الحدّ الأدنى من تماسك الدولة، في لحظةٍ بات فيها أيّ شرخٍ داخليّ هديّةً مجانيّةً لكلّ من يريد فرض شروطه على لبنان.
النّبطيّة تحت النّار: استهداف السّراي وتوسيع دوائر الصّدمة
في هذا السّياق، شكّل استهداف مبنى السّراي الحكومي في النّبطيّة تطوّرًا بالغ الخطورة، بوصفه انتقالًا من قصف البيئات والمناطق إلى ضرب رمزٍ مؤسّساتيّ رسميّ. الغارات التي وُصفت بأنّها الأعنف على المدينة منذ بداية الحرب أدّت إلى استشهاد 13 عنصرًا من جهاز أمن الدولة وإصابة ضابط، في المرّة الأولى التي تُستهدف فيها مؤسّسة حكوميّة لبنانيّة بهذا الشكل خلال الحرب الجارية.
سياسيًّا، يتجاوز هذا الاستهداف البعد العسكريّ. فهو رسالة تقول إنّ إسرائيل لا ترى فارقًا كبيرًا بين بنية الدولة وبنية البيئة الحاضنة للمقاومة عندما تقرّر توسيع دائرة الضغط. كما أنّه يضع الحكومة أمام معضلة إضافيّة: كيف تفاوض سلطةً تضرب السّراي الحكوميّ، أي رمز الدولة نفسها، ثمّ تطلب من هذه الدولة أن تدخل معها في ترتيبات سياسيّة كبرى؟
جنوبًا وشمالًا: تصعيدٌ متبادل ورسائل متبادلة
ميدانيًّا، أعلن الحزب تنفيذ عشرات الهجمات على مستوطناتٍ وقوّاتٍ وآليّاتٍ ومواقع عسكريّة إسرائيليّة، فيما تحدّثت وسائل إعلامٍ إسرائيليّة عن إطلاق أكثر من 60 صاروخًا باتّجاه شمال إسرائيل منذ الصّباح، وإعلان الحزب عن عشرات العمليّات خلال 24 ساعة، من بينها إطلاق صاروخٍ نوعيّ على قاعدةٍ بحريّة في أسدود.
في المقابل، واصل الطيران الحربيّ الإسرائيليّ سلسلة غاراتٍ عنيفةٍ ليلًا وفجرًا على مناطق عدّة في جنوب لبنان، ما أدّى إلى سقوط شهداء وجرحى ودمارٍ واسعٍ في المباني والبنى التحتيّة. وطالت الغارات بلدات الخيام، وميفدون، وتول، وجبشيت، وجباع، فيما استُهدفت أحياء ومبانٍ سكنيّة ومرافق مدنيّة، وتعرّضت مناطق عدّة لقصفٍ مدفعيّ متزامن.
هذا التّبادل الكثيف للنّار يؤكّد أنّ الميدان لم يدخل بعد مرحلة التبريد، بل إنّ كلّ طرفٍ يحاول تحسين شروطه قبل الثّلاثاء. إسرائيل تريد الذهاب إلى التفاوض بعد مزيدٍ من الضغط، والحزب يريد الذهاب إليه بعد تثبيت معادلة أنّه ما زال قادرًا على الردّ والإيلام.
الأرجح أنّ المشهد يجمع الأمرين معًا. فواشنطن تريد إنجازًا يضبط الجبهة اللّبنانيّة ضمن الترتيب الإقليميّ الأوسع، وإسرائيل تريد اتّفاقًا يوسّع هامشها الأمنيّ، وطهران تريد منع أيّ تفاوضٍ يضعف موقع "حزب الله"، فيما تحاول الدولة اللّبنانيّة، بقدرةٍ محدودة وأعصابٍ مكشوفة، أن تمنع انهيار الداخل وتحتفظ بحدٍّ أدنى من القرار الوطنيّ.
اختبار الثّلاثاء: تسويةٌ أم افتراقٌ داخليّ؟
من هنا، يبدو "ثلاثاء واشنطن" أكثر من موعدٍ سياسيّ. إنّه اختبارٌ مركّب لقدرة لبنان على العبور بين أفخاخ الخارج وتصدّعات الدّاخل، من دون أن يتحوّل إلى ساحة تصفية حساباتٍ نهائيّة. فإذا نجحت بيروت في انتزاع هدنةٍ تمهيديّة تحفظ الحدّ الأدنى من الكرامة السّياديّة، فقد تفتح نافذةً ضيّقةً لمسارٍ تفاوضيّ أقلّ اختلالًا. أمّا إذا ذهبت إلى الطاولة فيما الغارات مستمرّة والشارع منقسم والاعتراض الإقليميّ قائم، فإنّها تكون قد دخلت أخطر مراحل التفاوض: التفاوض من موقع الانكشاف.
في الخلاصة، فإنّ ما يجري ليس مجرّد ترتيب لاجتماعٍ في واشنطن، بل صراعٌ مفتوح على شكل لبنان المقبل: هل يكون لبنان دولةً تفاوض لإنقاذ نفسها، أم ساحةً يُفاوض الآخرون عليها فيما هي تنزف؟