علي الطاهر تسقط... ومعها خطاب الحزب

ليست قصة تلة علي الطاهر قصة موقع عسكري سقط بيد الجيش الإسرائيلي فحسب، بل قصة خطاب سياسي وإعلامي كامل بدأ يتهاوى معه. فالتلة التي جرى تقديمها مدى أسابيع بوصفها قلعة عصية مزروعة بالرجال بحسب بيانات "حزب الله"، وموقعاً استثنائياً في منظومة المقاومة، تحولت بعد وصول الإسرائيليين إليها "مجموعة نقاط دفاعية، كبقية المرتفعات والمواقع". وبين الصورتين مسافة تكشف حجم التخبط الذي يعيشه "حزب الله".

 "قلعة هرمز"

في الأسابيع الأخيرة، لم يتعامل الحزب مع علي الطاهر على أنها تلة عادية. فقد رفعها إلى مرتبة الرمز العسكري، وربطها بشبكة من التحصينات والأنفاق، فيما ذهبت بعض القراءات المحسوبة على بيئته إلى الحديث عن "مضيق علي الطاهر" في مقابل مضيق هرمز، كأن الموقع الصغير في جنوب لبنان أصبح جزءاً من المعادلة الإيرانية الكبرى. حتى إن تقارير وتحليلات تحدثت عن أن مصير الموقع بات مرتبطاً بالصراع الأميركي ـ الإيراني.

ولم يكن ذلك كله صادراً عن خصوم الحزب. فالحزب نفسه رفض تسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، وتعامل مع بقائه في يد مقاتليه باعتباره مسألة تتجاوز مجرد السيطرة على تلة. وكان إعلامه قد ساهم في تكريس صورة "القلعة" التي يصعب إسقاطها.

المفارقة أن الخطاب بدأ يتغير كلما اقتربت القوات الإسرائيلية من تحقيق هدفها. فبعدما كانت علي الطاهر عنواناً استراتيجياً، بدأت تظهر لغة مختلفة: الحديث عن أن إسرائيل تحاول تضخيم أهمية الموقع، وأنه ليس أكثر من نقاط دفاعية، وأن الإنجاز الإسرائيلي المعلن لا يوازي الصورة المرسومة للموقع.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة. ليس المطلوب أن تكون علي الطاهر "أعظم قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط" حتى تكون ذات أهمية. فالواقع العسكري يقول إن المرتفعات تحتوي على مجموعة وغرف عمليات في باطنها لا يطالها القصف الجوي، لذلك كانت هدفاً إسرائيلياً متقدماً منذ السيطرة على قلعة الشقيف.

لكن السؤال هو: "من الذي صنع الفارق بين التلة الإستراتيجية والتلة العادية؟"

إنه الخطاب نفسه الذي اعتاد، عند الحديث عن الخيام وبنت جبيل وكفرتبنيت وغيرها، أن يعطي الجغرافيا الجنوبية قيمة عسكرية ورمزية هائلة، ثم ما إن تنتقل منطقة إلى السيطرة الإسرائيلية حتى يبدأ التقليل من أهميتها. وهكذا يصبح الانتصار في الخطاب سابقاً للمعركة، والتراجع في الخطاب لاحقاً للخسارة.

قماطي... نموذج التخبط

لعل التصريح الأخير لنائب رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي يلخص هذه المعضلة بأوضح صورها. فبحسب ما نقل عنه، ما جرى في علي الطاهر هو "انتصار كبير للمقاومة"، وصمود المقاتلين أشهراً تحت الحصار يمثل إنجازاً، فيما رأى أن سقوط صورة علي الطاهر كقاعدة عسكرية ضخمة يشكل هزيمة لإسرائيل، بل ذهب إلى ربط ذلك بهزيمة بنيامين نتنياهو في الانتخابات.

المفارقة أن الحزب بات أمام معادلة شديدة التعقيد: إذا كانت علي الطاهر "قلعة عظيمة"، فإن فقدانها ضربة عظيمة أيضاً. وإذا كانت مجرد "مجموعة نقاط دفاعية"، فلمَ كل هذه المعركة عليها؟ وإذا كان الصمود فيها انتصاراً، فكيف يُقاس الانتصار بعدما أعلنت إسرائيل السيطرة على الموقع وما تحته؟

هذا التناقض لا يمكن فصله عن التخبط السياسي والإعلامي الذي ظهر منذ 2 آذار، يوم دخل الحزب الحرب بإطلاق صواريخ قال إنها في سياق إسناد إيران، لتبدأ منذ ذلك التاريخ سلسلة من المواقف المتناقضة حول طبيعة الحرب وأهدافها وحدودها ونتائجها. وبمرور الأشهر، بدا الجسم السياسي والإعلامي للحزب كأنه يطارد الأحداث بدل أن يقود روايتها.

للمرة الأولى، يظهر هذا التناقض بهذه الفجاجة: موقف سياسي يفتح باب التواصل مع الأميركيين، وآخر يرفع سقف المواجهة. حديث عن الصمود، يقابله حديث عن إعطاء المسار السياسي فرصة. ورفض تسليم مواقع، يتبعه كلام على خيارات مفتوحة، ثم أخيراً، أمام خسارة موقع كان يُقدَّم كرمز استثنائي، محاولة تحويل الخسارة نفسها إلى انتصار.

المشكلة إذاً ليست في سقوط علي الطاهر وحدها. المشكلة أن سقوطها وضع الخطاب أمام المرآة.

فالموقع الذي لا يكتسب أهميته من الدعاية ولا يفقدها بها، سيبقى موقعاً عسكرياً مهماً، سواء بقي تحت السيطرة اللبنانية أو الإسرائيلية. أما تحويله إلى "قلعة" قبل سقوطه ثم إلى "تلة عادية" بعده، فلا يغيّر شيئاً في ميزان الميدان، بل يكشف ارتباك من يحاول تفسيره.

وهنا تصبح علي الطاهر أكثر من تلة سقطت. إنها اختبار لقدرة "حزب الله" على إدارة رواية الحرب، بعدما كان لسنوات الطرف الذي يفرض روايته على جمهوره وخصومه معاً.