المصدر: المدن
الكاتب: إبراهيم الرز
الأربعاء 12 آب 2026 01:50:01
تتجاوز تلة علي الطاهر حيثيتها كموقع عسكري لحزب الله تضعه إسرائيل في قمة اولوياتها، لتصبح منطقة نزاع ساخن تمتد مفاعيله الى ما بعد أي اتفاق لوقف إطلاق النار. وتعكس جانباً من مأزق الدولة اللبنانية إذا ما طويت صفحة الحرب التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي.
فهذه التلة المتحكمة جغرافيا بشمال نهر الليطاني، باتت تتحكم بأهداف سياسية وعسكرية تم طرحها في المفاوضات الأخيرة، التي شهدتها العاصمة الإيطالية بين لبنان وإسرائيل.
فقد التمس الجانب اللبناني إصراراً إسرائيلياً على رفض الانتقال إلى منطقة تجريبية ثانية، مقابل التركيز على موقع علي الطاهر والدفع باتجاه دخول الجيش اللبناني إليها. وهذا الإصرار من شأنه أن يحدث انقلاباً ويحرف المفاوضات عن مسارها.
وهكذا وجد لبنان نفسه بمواجهة مطلب إسرائيلي يقضي بدخول الجيش الى أنفاق تلة علي الطاهر، التي تصنف أحد المعاقل الأخيرة لحزب الله في الجنوب، وإخراج مقاتلي الحزب المحاصرين منها. وذلكَ بدلاً من تحديد منطقة تجريبية جديدة تنسحب منها إسرائيل، ليدخلها الجيش، بموجب اتفاق الاطار.
هذا التحول يفسر الإحراج اللبناني المتزايد، وصولاً إلى الميل، وفق المعلومات، نحو تعليق المشاركة في المفاوضات إذا لم يطرأ أي تغيير على الموقف الإسرائيلي. فلا واشنطن ولا إسرائيل تحدثتا حتى الآن عن موعد جديد، فيما تنتظر بيروت وصول القائد الأميركي للمنطقة الوسطى جوزف كليرفيلد والاستماع إلى ما يحمله بشأن البحث مع إسرائيل في الانسحاب من منطقة تجريبية ثانية.
حزب الله يحوّل التلة إلى قضية وجودية
قطع حزب الله الطريق من الأساس على الطرح المتعلق بعلي الطاهر، مستنداً بصورة أساسية إلى وقوع التلة شمال نهر الليطاني، ومحاولاً الفصل بينها وبين الترتيبات التي يعتبر أنها تعنيه جنوب النهر حصراً.
لكن المشكلة أن الحزب يتصرف هنا وكأن موقع التلة يمنحه حق تقرير ما إذا كان الجيش اللبناني يستطيع الدخول إليها أم لا. فعلي الطاهر أرض لبنانية يفترض نظرياً أن تكون سلطة الدولة والجيش عليها أمراً بديهياً، لا موضوع تفاوض مع حزب سياسي مسلح.
والجيش نفسه يدرك حساسية الموقف. لذلك لا يريد دخول التلة من دون قرار سياسي واضح، لأنه ليس بوارد زج نفسه في مواجهة داخلية نتيجة عجز السلطة السياسية عن معالجة مسألة يفترض أن تكون من صلب مسؤوليتها.
هنا تظهر واحدة من أهم مفارقات خطاب حزب الله بعد الحرب: فهو يحمّل الدولة مسؤولية حماية الأرض ومنع إسرائيل من الاعتداء عليها، لكنه في الوقت نفسه ينازع هذه الدولة حقها في تقرير كيفية بسط سلطتها على الأرض نفسها.
ويزداد التناقض مع الحملة السياسية اليومية التي يخوضها الحزب على السلطة، فيما هو شريك داخلها. فهو يتصرف عند أي استحقاق او قرار حكومي كأنه معارضة من خارج السلطة، رغم أن جزءاً كبيراً من المأزق الحالي هو نتيجة حرب دخلها بإرادته ومن خارج قرار الدولة. لكن تمسك الحزب بعلي الطاهر لا يرتبط بالسلاح وحده.
بعد خسارته معركتي الإسناد، وما أصابه من ضربات عسكرية وسياسية، هو يحتاج إلى عنوان يستطيع من خلاله القول لجمهوره إن إسرائيل، رغم كل ما حققته، لم تستطع أن تفرض إرادتها بالكامل. وعلي الطاهر تصلح لهذا الدور.
فعدم سقوط التلة حتى الآن يمكن تحويله إلى سردية انتصار، إسرائيل قصفت وحاولت التقدم، لكن الحزب منعها من الوصول. وهكذا يجري اختزال نتيجة حرب كاملة بمعركة موضعية، بحيث يصبح "عدم سقوط علي الطاهر" تعويضاً رمزياً عن خسائر أكبر بكثير، تسببت باحتلال لما يقارب سبعة بالمئة من الأرض اللبنانية، تشمل أجزاءً من حوالي55 إلى 60 قرية لبنانية حدودية باتت تحت السيطرة العسكرية المباشرة. لذلك فإن التلة أصبحت بالنسبة إلى الحزب أكثر من موقع. سقوطها سيصيب مباشرة الرواية التي يحاول بناءها بعد الحرب، ولهذا تبدو استعداده للقتال دفاعاً عنها أكبر من قيمتها على الرغم من أهميتها.
وإسرائيل تريد ما لم تحصل عليه بالحرب
إسرائيل لا تكتفي بالإيحاء أنها تريد أن تبسط الدولة اللبنانية سلطتها، بل تريد عملياً أن تحدد للدولة أين تبدأ هذه العملية وما المواقع التي يجب أن تكون أولوية فيها، بينما تتهرب في المقابل من تنفيذ التزاماتها المرتبطة بالانسحاب ووقف اطلاق النار.
وهنا تكمن المشكلة. فالمنطق أن يبدأ ذلك بانسحاب إسرائيلي إضافي يسمح للجيش اللبناني بتوسيع انتشاره. لكن إسرائيل ترفض الانتقال إلى منطقة تجريبية ثانية، وتضع بدلاً منها علي الطاهر في مقدمة الأولويات. أي أنها تطالب لبنان بتقديم خطوة إضافية فيما تحتفظ هي بأوراقها.
أكثر من ذلك، لا يمكن فصل التشدد الإسرائيلي تجاه علي الطاهر عن عدم قدرتها حتى الآن على حسم الملف عسكرياً من دون كلفة مرتفعة. فخياراتها ليست بسيطة. لذا تصبح محاولة دفع الجيش اللبناني إلى المنطقة وسيلة لتحقيق الهدف بأقل كلفة ممكنة.. أو عرقلة المفاوضات ، وربما نسفها. إسرائيل، بهذا المعنى، تريد استخدام الدولة اللبنانية لإنجاز ما لم تتمكن من إنجازه بسهولة في الميدان.
وهي لا تريد فقط إنهاء وجود الحزب في الموقع، بل تريد أيضاً إسقاط الرمز الذي يحاول الحزب صناعته منه. فإذا خرج حزب الله من علي الطاهر تحت ضغط المفاوضات، يستطيع نتنياهو أن يقدم ذلك في الداخل الإسرائيلي باعتباره دليلاً على أن الحرب مستمرة بوسائل أخرى وأن إسرائيل فرضت شروطها حتى حيث لم تستطع التقدم عسكرياً. وهذا إنجاز قابل للاستثمار سياسياً وانتخابياً.
في هذا السياق، يقول الخبير العسكري الجنرال المتقاعد جوني خلف لـِ "المدن" إن "الإسرائيلي يحتل تلة علي الطاهر بالنار"، موضحاً أن أهميتها بالنسبة إلى إسرائيل تنطلق من عاملين أساسيين: "المنشأة العسكرية الموجودة فيها، وموقعها الاستراتيجي، إذ تشرف التلة على كفررمان والنبطية ومحيطهما". وفي المقابل، يشدد خلف على أن الموقع يحمل أهمية كبيرة بالنسبة إلى حزب الله، إلى درجة أنه يشكل بالنسبة إليه "قلعة الحصن".
ويشير خلف إلى أن القوات الإسرائيلية بدأت بالفعل بتدمير أجزاء من الأنفاق الموجودة في المنطقة، وإغلاق بعض مداخلها ومخارجها، إلا أن التلة "ليست محتلة بالمعنى الفعلي للكلمة"، إذ لا يقيم الجيش الإسرائيلي مراكز عسكرية ثابتة فوقها، كما يفعل في مرتفعات أخرى، بل ينفذ توغلات محدودة فيها ثم ينسحب، بالتوازي مع إبقائها تحت المراقبة على مدار الساعة، في انتظار اللحظة المناسبة لوضع اليد عليها بصورة كاملة.
ويرى خلف أن هذا الواقع يشكل أحد أسباب عدم انسحاب إسرائيل من زوطر الشرقية في سياق ما يعرف بـِ "المناطق التجريبية"، وهي صيغة يشكك أصلاً في إمكان نجاحها.
بين سرديتين تخسر الدولة
لهذا فإن المشكلة في علي الطاهر أن كلاً من حزب الله وإسرائيل يريد استخدامها لخدمة سرديته. الحزب يريد تحويلها إلى دليل على أن سلاحه ما زال يمنع إسرائيل من التقدم، في محاولة لإحياء معادلة ردع لم تعد قائمة.
وإسرائيل تريد تحويلها إلى دليل على أنها تستطيع فرض ما تريده على لبنان، ولو كان الثمن تجاوز منطق التفاوض نفسه وتحويله إلى أداة لفرض لائحة متحركة من المطالب. وبين الاثنين تقع الدولة. فهي لا تستطيع القبول بأن يقرر حزب الله أين ينتشر الجيش اللبناني، ولا يمكنها في المقابل أن تقبل بأن تصبح إسرائيل صاحبة القرار في تحديد أولويات انتشار هذا الجيش. وهنا جوهر معضلة علي الطاهر.
المطلوب من الدولة ألا تتحول إلى غطاء لاستمرار الأمر الواقع الذي يفرضه حزب الله، لكن أيضاً ألا تتحول إلى أداة لتنفيذ جدول أهداف إسرائيلي تحت الضغط العسكري.
ماذا بعد علي الطاهر؟
السؤال لم يعد مرتبطاً فقط بإمكان سقوط التلة أو بقاء حزب الله فيها، بل بما إذا كانت إسرائيل تعتبر علي الطاهر نهاية هدفها العسكري، أم مجرد محطة في مسار أوسع تريد من خلاله تثبيت حرية تحركها داخل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، يقول العميد جوني خلف لـِ "المدن": "لا أعتقد أن التوغلات أو الاحتلال بالنار سيتوقفان بعد سقوط علي الطاهر". ويستند في ذلك إلى ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المجلس الوزاري المصغر، لناحية أن إسرائيل ستتحرك ضد أي وجود لحزب الله في مرتفعات استراتيجية أو أنفاق تعتبر أنها يمكن أن تشكل خطراً عليها.
وبالتالي، فإن السيطرة على علي الطاهر، وفق قراءة خلف، لا تبدو نهاية الهدف الإسرائيلي، بل محطة ضمن سياسة أوسع تقوم على الاحتفاظ بحرية التحرك ضد المواقع التي تصنفها إسرائيل تهديداً أمنياً، وهو ما يعيد طرح السؤال الأساسي: إذا انتهت معركة علي الطاهر، فأين يبدأ الهدف الإسرائيلي التالي؟
وهذا تحديداً ما يجعل ما بعد علي الطاهر أخطر من المعركة عليها، إذ إن نجاح إسرائيل في فرض معادلتها هناك قد لا يقفل المواجهة، بل يفتح الباب أمام نقلها إلى مواقع ومرتفعات أخرى وفق تقديرها الخاص لمصادر التهديد.