المصدر: النهار
الكاتب: خيرالله خيرالله
الأربعاء 8 نيسان 2026 07:25:28
كتب محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني سابقاً مقالاً في "فورين أفيرز" أراد من خلاله تقديم نفسه كـ"وطني" إيراني، موالٍ للنظام القائم، يريد إنقاذ بلاده من الحرب التي تستهدفها. يشير إلى ذلك بدء المقال بأنّ "إيران هي من يربح الحرب". ينتقل ظريف بعد ذلك إلى الحديث عن "صمود" الإيرانيين تمهيداً لتقديم اقتراحاتٍ محددة من أجل إنهاء الحرب.
يركّز ظريف، على الملفّ النووي الإيراني. قدّم حلولاً عملية تصبّ في استعداد إيران لتقديم كلّ الضمانات الممكنة في شأن السلاح النووي وإعادة فتح مضيق هرمز. في المقابل، يريد ظريف رفع "كل" العقوبات، ولاسيما منها الأميركيّة عن إيران. يلمح إلى إمكان عودة شركاتٍ أميركيّة إلى العمل في إيران وإلى تعاونٍ مع الولايات المتحدة "بما يعود بالنفع على الشعبين".
يبدو أن ظريف يعيش في عالمٍ آخر، لا علاقة له بالحرب الدائرة حالياً. إنّه عالم عهد باراك أوباما الذي توصلت "الجمهوريّة الإسلاميّة" في عهده إلى اتفاقٍ في شأن ملفها النووي بغطاءٍ من الدول الأخرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، إضافةً إلى ألمانيا.
مشكلة إيران مع العالم
لا يدرك وزير الخارجية الإيراني السابق الذي تفاوض مع نظيره الأميركي جون كيري في شأن الملفّ النووي أن الإدارة الأميركيّة الحالية مختلفة وأن أي صفقة معها تبدو مستحيلةً في غياب الأبعاد الأخرى للحرب. يظلّ أهمّ ما في هذه الأبعاد أن مشكلة إيران هي مع العالم، وخصوصاً الدول القريبة منها التي تتعرّض لاعتداءٍ تلو الآخر من "الحرس الثوري". الأهمّ من ذلك كلّه، أن ظريف يتجاهل كلّياً الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنصاتها، كما يتجاهل أذرع إيران في المنطقة، وهي أذرع تابعة مباشرةً لـ"الحرس الثوري".
على غرار الرئيس الأميركي السابق يختزل ظريف أزمات المنطقة بالملفّ النووي الإيراني الذي يريد إعادة تسويقه. يتجاهل أنّ المنطقة تغيّرت كلّياً في ضوء حرب غزّة وأن إيران خسرت كلّ الحروب التي شنتها بعد حرب غزّة معتقدةً أنها ستكون المستفيد من تلك الحرب. لم تعد البضاعة التي يروج لها وزير الخارجية الإيراني السابق صالحةً لأي تسويق، خصوصاً مع خروج إيران من سوريا والهزيمة التي لحقت بـ"حزب الله" في لبنان.
السؤال: هل إيران دولة طبيعية أم لا؟
الجواب أنّ نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة" من النوع الذي انتهت صلاحيته. انتهت صلاحية النظام وانتهت معه صلاحيّة الملف النووي الأميركي المطلوب الانتهاء منه من دون قيدٍ أو شرط. هذا ما يرفض ظريف وآخرون غيره استيعابه بسبب عقدة العيش في عهد أوباما.
في أواخر العام الماضي، وفي مؤتمرٍ عقد في الدوحة، هاجم ظريف المجموعات التي ساعدتها إيران. فعل ذلك من منطلق أن هذه المجموعات، كـ"حزب الله" و"حماس"، على سبيل المثال، لم تفعل شيئاً نصرةً لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة".
يمكن في طبيعة الحال سؤال ظريف أين صارت قضيّة فلسطين في ظلّ الدعم الإيراني لها؟ أين صار لبنان في ضوء الجهود الإيرانيّة التي جعلت من "حزب الله" الدولة اللبنانيّة ومن الدولة اللبنانية دويلةً في دولة الحزب؟ أين صار لبنان بعدما امتلكت إيران قرار الحرب والسلم في البلد وفتحت جبهة جنوب لبنان بذريعة "إسناد غزّة"؟ أين صار شيعة لبنان في ضوء الرغبة في الانتقام لاغتيال علي خامنئي؟
الأكيد أن نتائج السياسة الإيرانية القائمة على استخدام أدوات، من نوع "حماس" أو "حزب الله" أو الحوثيين أو الميليشيات العراقية المنضوية تحت لافتة "الحشد الشعبي"، باتت معروفة. كلّ ما في الأمر أنّ هذه الأدوات لعبت الدور المطلوب منها في مجال تفتيت النسيج الاجتماعي في غزّة ولبنان واليمن والعراق. لدى سوريا في الوقت الحاضر الأمل بمستقبلٍ أفضل لسببٍ واحد. يتمثل هذا السبب في خروج إيران منها إلى غير رجعة. صحيح أنّ الوضع السوري ليس مستقرّاً بعد، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ سوريا عادت الى السوريين ولم تعد مجرد مستعمرةٍ إيرانية، كما كانت الحال قبل فرار بشّار الأسد إلى موسكو...
يعاني محمّد جواد ظريف من كونه متهماً من داخل إيران بمحاباة أميركا. يجدر به أن يكون فخوراً بذلك بدل السعي إلى استرضاء المتطرفين في الداخل الإيراني. يجدر به امتلاك شجاعة الاعتراف بأن لا حاجة لديه إلى إثبات وطنيّته عن طريق التفاخر بأنّه تحت عقوباتٍ أميركيّة.
بعض الصدق مع الذات ضروري في هذه المرحلة. الأهمّ من الصدق الامتناع عن الترويج لبضاعةٍ منتهية الصلاحيّة. لا مستقبل لإيران ما دام نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة" قائماً ولا فصل بين الملفّ النووي من جهة والصواريخ الباليستية ومنصاتها ومصير الأذرع الإيرانية من جهة أخرى...