عواصف الرعد والصواعق في لبنان… هشاشة الوقاية أمام قوة الطبيعة

لم يكن في حسابات محمد ح.( طالب جامعي، 28 عامًا) أن وقعَ العاصفة "بايرون" سيكون قاسيًا عليه، إذ وخلال أقل من دقيقتين ضربت الصاعقة طبق الاستقبال (الدش)، ما أدى إلى احتراق عدد من الأجهزة الكهربائية المرتبطة بالشبكة، وتضرر كلٌّ من جهاز اللابتوب، والتلفاز، والدش، والمايكرويف، إضافة إلى شاحن الهاتف. ويؤكد أن العطل كان مفاجئًا وسريعًا، ولم يترك مجالًا لتفادي الأضرار التي كلفتني حوالى 1255 دولارًا، في ظل غياب أي تعويض أو تأمين، تجهيزات لا يمكن الاستغناء عنها إن في مجال دراستي أو كتجهيزات ضرورية للعائلة .

في الأسابيع الأخيرة، شهدت مناطق عدة في لبنان عواصف رعدية عنيفة ترافقت مع صواعق قوية، وكان آخرها العاصفة "بايرون" (Byron)، وهي عاصفة جوية قوية أثرت على منطقة شرق البحر المتوسط بما في ذلك لبنان، مع أمطار غزيرة ورياح شديدة.

خلّفت "بايرون" أضرارًا جسيمة في الممتلكات الخاصة والعامة، وألحقت خسائر كبيرة بالقطاعين الزراعي والحيواني، وقد تسببت الصواعق التي رافقتها بنفوق أعداد من الحيوانات والدواجن، وتضرر محاصيل زراعية وأشجار مثمرة، إضافة إلى تلف معدات وآليات يعتمد عليها المزارعون في رزقهم اليومي. ولم تسلم المنازل والمنشآت من الأضرار، حيث سُجّلت أعطال كهربائية وحرائق محدودة في بعض المناطق. هذه الحوادث أعادت إلى الواجهة هشاشة إجراءات السلامة المتبعة، وغياب الوقاية الكافية من أخطار الصواعق، كما طرحت تساؤلات جدية حول دور الدولة والمواطن في الحد من تداعيات الكوارث الطبيعية.

وفي ظل التغيرات المناخية وتسارع وتيرة العواصف، تبدو الحاجة ملحّة لاعتماد سياسات وقائية أكثر فعالية لحماية الأرواح والممتلكات، وفي هذا السياق، يؤكد المدير العام للدفاع المدني بالتكليف، العميد الركن عماد خريش، أن "الوقاية من أخطار الصواعق تبدأ بإجراءات هندسية أساسية، في مقدّمها تركيب مانع للصواعق (Lightning Rod) على أسطح المباني العالية، وتحديدًا عند أعلى نقطة فيها. ويوضح أن هذا الإجراء أساسي للتخفيف من مخاطر الصواعق القوية، ولا سيما خلال العواصف الرعدية".

ويشير خريش إلى أنه في حال عدم تجهيز المبنى بمانع للصواعق، يُنصح بفصل الأجهزة الكهربائية عن التيار فور اشتداد العاصفة، أو اللجوء إلى القاطع الرئيسي لعزل الكهرباء عن المنزل، تفاديًا للأضرار التي قد تلحق بالمعدات أو بالمقيمين.

ويرى أن الصواعق تختلف في قوتها من منطقة إلى أخرى تبعًا لشدة العاصفة، ما يستدعي - برأيه - إصدار قانون يُلزم كل منزل أو مبنى بتركيب مانع للصواعق فور الانتهاء من أعمال البناء، أسوةً بسائر إجراءات السلامة العامة التي يشرف عليها المهندس المسؤول.

حماية الحيوانات والمزروعات

وفي ما يخص حماية الحيوانات، ينصح خريش بإدخالها إلى الحظائر وعدم تركها في الحقول خلال العواصف الرعدية، مع تجنب ربطها بالأعمدة أو إبقائها مقيّدة، لتسهيل إخراجها سريعًا عند الحاجة. كما يشدد على ضرورة تجهيز الحظائر بمانع للصواعق، نظرًا لتعرض الحيوانات للاستهداف المباشر في المساحات المفتوحة.

ويلفت إلى أن الصواعق لا تقتصر أضرارها على البشر والحيوانات، بل تطول الأشجار والمحاصيل الزراعية، والدواجن، ومشاريع تربية الأسماك. فحين تضرب الصاعقة البحر أو النهر، قد يؤدي ذلك إلى نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، فيما تموت الدواجن غالبًا نتيجة الخوف والتدافع. كذلك تتعرض الغرف الزراعية والمعدات، بما فيها الجرارات الزراعية (التراكتورات)، للتلف، ما يؤدي إلى توقف الدورة الزراعية أيامًا عدة بانتظار تعويض الخسائر.

إجراءات السلامة أثناء العواصف

ويصف خريش الصاعقة بأنها كارثة طبيعية لا يمكن للبشر منعها، مشيرًا إلى أن العلم لم يتوصل حتى اليوم إلى وسائل لتفاديها كليًا، بل إلى إجراءات تحدّ من آثارها. ويذكر أن بعض المزارعين عمدوا إلى تأمين معداتهم ومحاصيلهم الزراعية، بل وحتى الحقول، عبر شركات التأمين.

وخلال العواصف الرعدية، يدعو خريش المواطنين إلى البقاء داخل المباني المجهزة بمانع للصواعق، والتوقف عن استخدام الأجهزة السلكية، والأفضل فصل الكهرباء عن المنزل بالكامل، محذرًا من الوقوف تحت الأشجار أو في الطرقات أو قرب المباني المتضررة، لاحتمال انهيارها، إضافة إلى الابتعاد عن النوافذ المعرضة للكسر.

وينصح بالجلوس في مكان منخفض وآمن داخل المنزل، لافتًا إلى أن الصاعقة غالبًا ما تكون قصيرة المدة، ما يستوجب التحلي بسلوك آمن حتى انقضاء العاصفة.

مسؤولية مشتركة

ويختم خريش بالتشديد على ضرورة إدراج ثقافة السلامة من الصواعق ومخاطر العواصف ضمن المناهج المدرسية، من خلال دروس توعوية، إلى جانب تكثيف الإرشادات الموجهة إلى المواطنين والمزارعين والرعاة. ويؤكد أن الصواعق، كغيرها من الكوارث الطبيعية، ليست من صنع الإنسان، لكنه شدد في المقابل على أن المسؤولية تقع أولًا على عاتق الدولة، ثم على المواطن، داعيًا الدولة إلى فرض تطبيق إجراءات السلامة ومتابعة تنفيذها، في ظل تقصير مشترك من الجانبين.

إن حماية الأرواح والممتلكات لم تعد مسألة فردية، بل مسؤولية وطنية تتطلب تشريعات واضحة، وتطبيقًا صارمًا لإجراءات السلامة. كما أن نشر الوعي وتثقيف المواطنين، بدءًا من المدارس وصولًا إلى المزارعين والرعاة، يشكّل خط الدفاع الأول في الحد من الأضرار. وفي ظل التغير المناخي وتزايد شدة العواصف، يصبح الاستثمار في الوقاية أقل كلفة بكثير من معالجة الخسائر بعد وقوعها. فالكوارث قدَر، لكن حجم خسائرها خيار يمكن التحكم به.

جدول بأهم المدن والبلدات التي تعرضت للصواعق في الشهرين الأخيرين:

صور، ضربت صواعق قوية، أدت إلى أعطال في الشبكات الكهربائية وانقطاع الإنترنت.

البابلية (قرب صيدا)، تضررت المنازل والأجهزة الكهربائية بسبب البرق المباشر، مع أمطار غزيرة ورياح.

إقليم التفاح وجبل صافي، صواعق قوية أدت إلى أضرار في الأشجار والمزروعات، مع مخاوف على الماشية.

منطقة عكار، ضربت صواعق أراضيَ زراعية، أدت إلى نفوق بعض المواشي وتلف محاصيل زراعية، كما تسبب البرق في أعطال كهربائية محدودة.

البقاع، سجلت صواعق رعدية، تسببت في تلف معدات زراعية، وأضرار طفيفة في المنازل والمخازن الزراعية.

بيروت وضواحيها، صواعق محدودة أدت إلى أعطال في بعض الأجهزة الكهربائية ومعدات الاتصالات، دون تسجيل خسائر بشرية.

في الخلاصة، كشفت الصواعق والعواصف الأخيرة التي ضربت لبنان حجم الهشاشة في الاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية، ولا سيما في القطاعات السكنية والزراعية والحيوانية. فقد تحولت ظاهرة طبيعية عابرة إلى مصدر خسائر فادحة بسبب غياب الوقاية والتخطيط المسبق.