المصدر: نداء الوطن
الكاتب: رماح هاشم
الجمعة 12 حزيران 2026 07:52:16
يُشكّل قرار استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية محطة اقتصادية مهمّة بالنسبة للبنان، في وقت يُواجه فيه الاقتصاد تحديات متراكمة تتطلب تعزيز مصادر الدخل بالعملات الأجنبية وتحفيز القطاعات الإنتاجية القادرة على النمو. يأتي هذا التطور ليُعيد فتح أحد أبرز الأسواق التقليدية أمام المنتجات اللبنانية، بعدما أدّى توقف التصدير لسنوات إلى خسارة فرص تجارية واستثمارية كبيرة.
تبرز أهمية القرار في كونه يتجاوز البعد التجاري المباشر، إذ يُعيد وصل لبنان بسوق خليجية تُعدّ من أكبر الأسواق استهلاكًا واستيرادًا في المنطقة. كما يفتح المجال أمام استعادة جزء من الحصة السوقية التي فقدتها المنتجات اللبنانية خلال السنوات الماضية، ويمنح المؤسسات الصناعية والزراعية فرصة جديدة لتوسيع أعمالها وزيادة إنتاجها وتعزيز قدرتها التنافسية.
ولا تقتصر الانعكاسات الإيجابية على حركة الصادرات فحسب، بل تمتد إلى الجوانب اللوجستية المرتبطة بعبور البضائع اللبنانية نحو الأسواق الخليجية. فمن شأن تسهيل حركة الترانزيت وخفض الأكلاف التشغيلية أن يُساهم في تحسين بيئة التصدير، ما ينعكس إيجابًا على القطاعيْن الصناعي والزراعي اللذين يعوّلان على هذه الخطوة لاستعادة الزخم الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للنمو خلال المرحلة الحالية.
عودة تدريجية
على الصعيد الصناعي، يؤكد أمين عام العلاقات الخارجية في جمعية الصناعيين اللبنانيين، منير البساط، لـ نداء الوطن"، أن "قرار استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية سينعكس إيجابًا على الاقتصاد اللبناني"، مشيرًا إلى أن "قيمة الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودية قبل قرار وقف التصدير كانت تُقارب الـ 200 مليون دولار".
ويوضح أن "القطاع الصناعي خسر هذا المبلغ بشكل مفاجئ، وبالتالي فإن إعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات اللبنانية ستسهم تدريجيًا في استعادة هذه العائدات، وإن كان ذلك لن يتحقق بصورة فورية". يضيف: "هذا التطور ستكون له انعكاسات إيجابية ليس فقط على الصناعة اللبنانية، بل أيضًا على القطاع الزراعي، نظرًا إلى أن جزءًا من الصادرات اللبنانية يتكوّن من منتجات ومصنوعات زراعية".
في المقابل، يلفت البساط إلى "تحدٍّ أساسي يتمثّل في أن استعادة حجم الصادرات السابق لن تكون سريعة، نتيجة دخول منتجات وصناعات من دول أخرى إلى السوق السعودية خلال فترة غياب المنتجات اللبنانية". ويرى أن "الصناعات الغذائية ستكون الأكثر تأثرًا، بإعتبار أن تسويقها يعتمد بشكل كبير على وجودها في المتاجر الكبرى، ولا سيما أن هذه المتاجر تعتمد سياسات تسويقية خاصة تتطلب رسوماً تُعرف في قطاع التجزئة بـ (Listing Fees)، وهي مبالغ تُدفع مقابل إدراج المنتجات وعرضها على رفوف المتاجر".
ويشرح أن "غياب المنتج اللبناني عن الأسواق السعودية لنحو 5 سنوات أدّى إلى تراجع حضوره في أذهان المستهلكين، في حين شغلت منتجات مماثلة من مصر وسوريا وتركيا، وحتى من السعودية نفسها، المساحة التي كان يحتلها سابقًا". لذلك، يؤكد أن "استعادة هذه المكانة تتطلب وقتًا واستثمارات إضافية في التسويق، بهدف إعادة تموضع المنتجات اللبنانية واسترجاع حصتها في الأسواق".
بالنسبة إلى الصناعات غير الاستهلاكية، يعتبر البساط أنها "قد تتمكّن من استعادة نشاطها بوتيرة أسرع نسبيًا، إلا أنها بدورها تحتاج إلى جهود تسويقية وتجارية مكثفة"، مؤكدًا أن "العمل الجاد والتسويق الفعّال كفيلان بمعالجة مختلف التحديات التي تواجهها".
ويرى البساط أن "القرار جاء في توقيت مناسب، في ظل الظروف الاقتصادية واللوجستية الراهنة".
نقطة هامة
كما يسلّط الضوء على "نقطة أساسية تتمثل في أن القيود السابقة لم تكن تقتصر على منع التصدير إلى المملكة العربية السعودية، بل شملت أيضًا منع عبور البضائع اللبنانية عبر الأراضي السعودية. إلا أن القرار الجديد يكتسب أهمية إضافية اليوم، ولا سيما في ظل التحديات التي فرضتها أزمة مضيق هرمز على حركة التجارة في المنطقة".
ويوضح أنه "بات بإمكان البضائع اللبنانية العبور برًا عبر الأراضي السعودية نحو الأسواق الخليجية، الأمر الذي من شأنه تخفيف الصعوبات اللوجستية وخفض الأكلاف التي تكبّدها الصناعيون خلال الفترة الماضية، فضلا عن معالجة إحدى أبرز المشكلات التي واجهها القطاع الصناعي منذ اندلاع الحرب في أذار الماضي".
القطاع الزراعي
على الصعيد الزراعي، يرى رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان، إبراهيم الترشيشي، أن "قرار استئناف التصدير إلى المملكة العربية السعودية يشكل أمنية تحقّقت لكل لبناني، سواء كان مزارعًا أو تاجرًا أو صناعيًا، مؤكدًا لـ "نداء الوطن"، أن "هذا القرار أعاد الأمور إلى مسارها الصحيح".
ويشير إلى أن "العلاقة بين لبنان والأسواق السعودية لطالما قامت على الود والمحبة والترابط"، معتبرًا أن "القرار يعيد هذه العلاقة إلى طبيعتها، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة تحمل آفاقًا واعدة للمستقبل".
ويشدد الترشيشي على أن "القرار يمنح القطاع الزراعي فرصة جديدة للحياة"، واصفًا إياه "بالقرار المفصلي بالنسبة للزراعة اللبنانية".
ويرى أن "حالة الكساد التي يعاني منها القطاع اليوم، إلى جانب التراجع الذي تشهده أسعار بعض المحاصيل الزراعية، ستبدأ بالانحسار مع إعادة فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، ما من شأنه أن يعيد القيمة إلى العديد من الزراعات، ولا سيما الخس والفواكه بمختلف أنواعها".
وفي ما يتعلق بحجم التصدير إلى المملكة العربية السعودية، يلفت الترشيشي إلى أن "السوق السعودية كانت تستحوذ على نحو 50 في المئة من إجمالي الصادرات الزراعية اللبنانية إلى الدول العربية، قبل صدور قرار وقف التصدير في 23 نيسان 2021".
كما يكشف الترشيشي عن "عقد اجتماع مع وزير الزراعة لبحث آلية إعادة إطلاق عمليات التصدير وتنظيمها من جديد، بما يضمن سيرها بطريقة منظمة وحضارية، ويسهم في تعزيز حضور المنتجات الزراعية اللبنانية في الأسواق الخليجية".
في المحصلة، يُشكّل استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية فرصة اقتصادية واعدة للقطاعات الإنتاجية اللبنانية، إلا أن ترجمة هذا القرار إلى مكاسب فعلية تتطلب وقتًا وجهودًا تسويقية واستثمارية لاستعادة المواقع التي فقدتها المنتجات اللبنانية خلال سنوات الغياب. وبينما يفتح القرار الباب أمام تعزيز الصادرات وتسهيل الوصول إلى الأسواق الخليجية، يبقى نجاح هذه المرحلة مرتبطًا بقدرة المنتج اللبناني على إعادة ترسيخ حضوره التنافسي والاستفادة من المناخ الجديد لاستعادة دوره في الأسواق الإقليمية.