عون فتح الباب أمام إعادة تنظيف قانون المصارف من الشوائب والألغام

قد يكون الطعن الذي تقدم به رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام المجلس الدستوري في قانون تنظيم المصارف أكثر من مجرد اعتراض على مادة محددة في قانون شديد الحساسية. فالقانون الذي أقره مجلس النواب في 12 آب الماضي، بعد أشهر طويلة من النقاش والتعديلات، يعود اليوم إلى المرجعية الدستورية، بما يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لعدد من أحكامه ومدى انسجامها مع الدستور ومبادئ العدالة وضمانات التقاضي.

اذا كان المتداول هو أن طعن رئيس الجمهورية بقانون المصارف، يتعلق بصورة أساسية بالمادة الثالثة منه، ولا سيما في ما يتصل بعلاقة القانون الجديد بأحكام المادة 70 من قانون النقد والتسليف وصلاحيات مصرف لبنان، فان ما فعله رئيس البلاد من خلال هذه الخطوة انه أعاد فتح الباب امام تشذيب القانون مجددا ليصبح اكثر عدالة وانتظاما.

أهمية الطعن، لا تكمن فقط في مصير المادة الثالثة، لأن المجلس الدستوري، متى وضع يده على القانون المطعون فيه، لا يكون بالضرورة مقيداً بالمواد التي طلب الطاعن إبطالها. فقد أكد المجلس الدستوري في اجتهاد منشور له أن رقابته لا تتوقف عند حدود المواد المطعون فيها، بل يمكنه أن يبحث القانون المطعون فيه برمته، وأن يبطل مادة لم تكن موضع طعن إذا تبين له أنها تخالف الدستور. كما أشار اجتهاده إلى أن إبطال مادة قد يستتبع إبطال مواد أخرى إذا كان بينها ترابط لا يمكن معه فصل بعضها عن بعض. وهذا يعني باختصار انه ستكون للمجلس الدستوري فرصة لاعادة تصويب الامور، بعدما ساهم تراخي بعض النواب، في فرض هيمنة صندوق النقد على مداولات المجلس النيابي، وتم اقرار مواد في القانون تتعارض وروحية العدالة والقضاء.

هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في قانون تنظيم المصارف، لأن مواده ليست منفصلة عن بعضها، بل تشكل منظومة واحدة لتحديد الجهة التي تتولى معالجة المصرف المتعثر، والصلاحيات التي تتمتع بها الهيئة المصرفية العليا، وحقوق المصرف في الاعتراض والطعن، والمهل التي تمنح له لممارسة هذه الحقوق.

ومن هنا تبرز المادة 25 تحديداً. فهذه المادة تتصل بالمهل والإجراءات المتاحة للمصرف للاعتراض على قرارات الهيئة المصرفية العليا، وهي مسألة لا يجوز النظر إليها باعتبارها تفصيلاً إجرائياً ثانوياً. فالحق في الاعتراض والطعن ليس امتيازاً للمصارف، بل هو جزء من ضمانات التقاضي التي يفترض أن تكون متاحة لكل شخص أو مؤسسة تتخذ بحقها قرارات ذات آثار قانونية ومالية بالغة الخطورة.

إعادة النظر في المادة 25، إذا وجد المجلس الدستوري أن صياغتها أو المهل الواردة فيها لا توفر ضمانات كافية أو تتعارض مع مبدأ من المبادئ الدستورية، يمكن أن تكون من النتائج الممكنة للرقابة الدستورية. ولا يعني ذلك أن المجلس سيعيد كتابة المادة أو يضع مهلة جديدة بدلاً من المهلة القائمة، إذ إن دوره هو الرقابة على دستورية النصوص، ويمكنه عند الاقتضاء إبطال النص المخالف، كلياً أو جزئياً، وما يترتب على ذلك من آثار قانونية. 

وهنا تحديداً تكمن أهمية الطعن الحالي. فالمطلوب ليس حماية مصرف أو مساهم أو مودع على حساب طرف آخر، بل التأكد من أن القانون الذي سيحكم مصير المصارف المتعثرة، وحقوق مساهميها ومودعيها ودائنيها، يقوم على قواعد واضحة ومتوازنة، وأن الإجراءات المتبعة في مواجهتها تخضع لأصول التقاضي وضماناته.

لقد أظهرت مناقشات تعديل القانون أن عدداً من مواده كان موضع خلاف، ولا سيما ما يتعلق بصلاحيات الهيئة المصرفية العليا وعلاقتها بمصرف لبنان، وبحدود الطعن بقراراتها. وكانت هذه المسائل حاضرة في أعمال لجنة المال والموازنة وفي النقاشات التي سبقت إقرار التعديلات.

لذلك، فإن إحالة القانون إلى المجلس الدستوري يمكن أن تشكل فرصة لإعادة فحص البناء القانوني برمته، لا بهدف تعطيل عملية إصلاح المصارف، بل على العكس، بهدف تأمين قاعدة قانونية أكثر صلابة يمكن تطبيقها من دون أن تتحول لاحقاً إلى مصدر جديد للنزاعات.

والأهم أن الإصلاح المصرفي لا يمكن أن يقوم على قاعدة تقول إن متطلبات الأزمة تبرر تقليص الحقوق الإجرائية. فالأزمة المالية، مهما كانت استثنائية، لا تلغي مبدأ سيادة القانون، ولا تجعل حق التقاضي قابلاً للتجزئة بين قطاعات أو مؤسسات. المصرف، كما المودع والمساهم والدائن، يجب أن يخضع للقانون ويتمتع في الوقت نفسه بضماناته الأساسية.

من هنا، سيكون قرار المجلس الدستوري مهماً ليس فقط لتحديد مصير المادة الثالثة، بل أيضاً لمعرفة ما إذا كان القانون، في مجموعه، قد حافظ على التوازن المطلوب بين سرعة معالجة أوضاع المصارف المتعثرة وبين حق هذه المصارف والأطراف المتضررة من قراراتها في الاعتراض والطعن والدفاع عن مصالحها.

إن المطلوب في نهاية المطاف ليس قانوناً يحمي المصارف، ولا قانوناً يحمي المودعين وحدهم، بل قانوناً يحمي العدالة القانونية نفسها. وهذه العدالة لا تكون مكتملة إذا حُرم أي طرف، أياً كانت صفته أو القطاع الذي ينتمي إليه، من ضمانات التقاضي التي يكفلها الدستور والقانون.

أما من يحاول الاصطياد في المياه العكرة، ويتحدث عن استياء رئيس الوزراء من خطوة الطعن الذي قدمه رئيس الجمهورية، فهو يصوّب في المكان الخاطئ. وبات معلوما، ان رئيس الحكومة هو من اقترح نص المادة الثالثة التي تتحدث عن ضرورة مراعاة المادة 70 من قانون النقد والتسليف، وبالتالي إسقاط هذه الجزئية من المادة الثالثة على يد نواب التزموا تنفيذ توجيهات صندوق النقد، هو بمثابة صفعة لجهود رئيس الحكومة، والذي كتب بخط يده مضمون هذه المادة. وبالتالي، فان طعن عون هو بمثابة موقف داعم لرئيس الحكومة، ولو ان الهدف من الطعن لا يتعلق بتحصيل "حقوق" رئيس الحكومة، بل بتصحيح الاعوجاج القائم في القانون. 

وفي النتيجة، فتح عون من خلال هذا الطعن الباب واسعا امام تصحيح الشوائب التي وردت في القانون في الهيئة العامة، بعدما كانت التفاهمات تنصّ على غير ذلك في مداولات وقرارات لجنة المال والموازنة. فهل يفعلها المجلس الدستوري ويقلب الطاولة مجددا في وجه صندوق النقد والنواب الذين انصاعوا لتوجيهاته، ويفرض اقرار قانون خال من العيوب والشوائب والألغام؟