المصدر: الوكالة المركزية
الكاتب: ميريام بلعة
الخميس 20 تشرين الثاني 2025 16:30:10
حلّ "اليوم الوطني للبيئة" في 16 تشرين الثاني من هذا العام، فيما أشجار الغابات ترزح تحت آفة الجفاف واليباس! ظاهرة تستنفر الجهات الرسميّة وتلك المختصّة بعِلم الغابات ومعالجة آفاتها.
كما هو معلوم، إن غابات لبنان هي غابات متوسطيّة (البحر الأبيض المتوسط) من صنوبريّات وورقيّات... شهدت في أواخر الصيف من العام الجاري، ظاهرة نادرة بامتياز! إذ بدءاً من أيلول الفائت ظهرت الشيخوخة المُبكِرة على أوراق الأشجار، في حين أن هذه الحالة تحدث عادةً في أشهر تشرين! فما أسباب هذه الظاهرة؟
الخبير في "علم الحشرات وصحّة الغابات" البروفسور نبيل نمر يعزو عبر "المركزية" أسباب الشيخوخة المُبكِرة للأشجار، بعاملَين رئيسيَين اثنين: الأول الجفاف، والثاني الحرارة المرتفعة بما يفوق معدّلاتها الموسمية.
ويأسف نمر لكون "الأمطار لم تهطل في لبنان في شهر أيلول ولا في تشرين الأول والثاني، ما حال دون تأمين "المَويّة" لهذه الأشجار كي تحافظ على أغصانها حتى السنة المقبلة"، موضحاً أن "الأمطار التي تساقطت منذ أسبوع لم تكن كافية لتأمين "المَويّة" المطلوبة للأغصان".
إذاً... "لقد شكّل تفاقم الجفاف وارتفاع حرارة الطقس، السبب الرئيسي لظاهرة اليباس التي تشهدها الأحراج في لبنان، إن في الورقيّات أو حتى في أشجار الصنوبر التي بدأت تعاني من هذه الآفة بما ينبئ بالأسوأ!" بحسب نمر، "علماً أن أشجار الصنوبر عادةً والشربين واللزّاب والأرز تتحمّل فترات جفاف أكثر من غيرها من أصناف الورقيّات".
ويكشف في السياق، أن "ظاهرة اليباس المتفاقم في غابات السنديان والملول والعَفص وكل أنواع الورقيّات بشكل عام، أدّت إلى ارتفاع معدلات الحرائق في الأحراج. فالحريق الذي يندلع سرعان ما يمتدّ بوتيرة سريعة على مساحات أكبر بسبب وجود كميات كبيرة من اليباس، ما يؤثّر بطبيعة الحال على كل الأشجار الموجودة في محيط موقع الحريق".
وهنا مَن المستفيد من هذه الآفة؟ الحشرات! وفق نمر، شارحاً أن "الحشرات الخشبيّة تتكاثر مع ارتفاع معدلات الحرارة وتفاقم الجفاف، ولا يعود هناك من قدرة على السيطرة عليها وبالتالي استفحالها بكثرة".
معالجة ظاهرة اليباس..
وعن كيفية معالجة هذه الظاهرة، يُجيب نمر: هناك أسباب عديدة تتطلب المعالجة في هذه الحالة. وهذه المعالجة يجب أن تنطلق من نظرة شمولية للغابة، إذ لا يمكن معالجة آفة الحشرات فقط دون سواها على سبيل المثال لا الحصر، وإغفال أن الغابات يلزمها صيانة ورعاية وتنظيف من الخشب اليابس، وإخضاعها لرقابة معيّنة لمعرفة ما إذا كانت مصابة بأمراض أو غيرها...إلخ. إذاً، يفترَض أن تكون المعالجة دائماً شاملة.
ويتابع: من هنا لا يمكن الغوص في حلول لا تؤتي نتيجة ولا تُصيب الهدف. أما الحلول الواجب اعتمادها، هي تلك الأكثر ملاءمة مع الطبيعة والتي تساعدها في الظروف المناخيّة الصعبة التي نشهدها حالياً.
ويعطي نمر مثالاً على الحلول المطلوبة، "التشحيل والتفريد. هما مطلبان مُلحّان ملزِمان في الغابات الكثيفة، وإلا لا يمكن إعطاء الشجرة أملاً في العيش لفترة أطول إن تركناها تحمل كمية كثيفة من الأغصان لا تستطيع أن تغذيها كلها بالمياه... من هنا ضرورة المعالجة الفنيّة أو "الغابويّة" (Silviculture) وهي عمليات دورية مخصّصة للأشجار، على سبيل المثال: تشحيل شجرة السنديان سنوياً على نحو يساعدها في الحفاظ على هيكلها كي لا تخسر أغصانها نتيجة اليباس. وكذلك الأمر التشحيل السنوي لأشجار الصنوبر المُثمِر بمعدل لا يتخطى نسبة 10% من الكمية الخضريّة فيها، الأمر الذي يساعدها على الإنتاج وفي الوقت ذاته يحميها من عامل الجفاف".
ولا يغفل التشديد على "وجوب العودة إلى الرّعي وتنظيف الغابات الكثيفة كعملية طبيعية، لأن ذلك سيساهم في الحفاظ على الأشجار الكبيرة والمعمِّرة عبر تأمين المياه الكافية لها من دون أن تذهب هدراً إلى أشجار أخرى يابسة أو غير ذلك".
... وآفة الحشرات
أما عن معالجة آفة الحشرات، فيُشير نمر إلى "مصائد الفيرومونيّة" التي تجذب الحشرات الخشبية، والإيقاع بها في هذه المصائد "كي لا تنتشر في الخشب السليم والإضرار به".
ويتابع: كذلك هناك حشرات أخرى تستفيد من الظاهرة المناخيّة الاستثنائية المتمثلة في الحرارة المرتفعة مقابل معدل برودة أقل، حيث تصبح لدى هذه الحشرات دورات حياتية أسرع إذ بدل أن تكون لجيل واحد في السنة، فأصبحت جيليْن وثلاثة. وحشرات أخرى تكوّن عادةً جيلاً واحداً كل سنتين، أصبحت تكوّن جيلاً في السنة الواحدة! هنا توجب المراقبة الدائمة والتدخّل الفوري عبر الرّش بواسطة الطوافات أو "الدرون"...
لهذه الغاية، أنشأت وزارة الزراعة حالياً "خليّة أزمة" لمعالجة كل هذه الآفات، "كي تكون الغابات مهيّأة كما يجب في الربيع المقبل وتتكيّف بشكل سليم مع العوامل المناخيّة" يختم نمر.