غانم يفتح تحقيقًا: هل قُتل محمد حرقوص تحت التعذيب؟

لا يزال الغموض يلف قضية ظروف وفاة المواطن محمد حرقوص، وسط تضارب الروايات التي عززته نتائج تقارير الأطباء الشرعيّين الثلاثة. فقد أكد التقريران الأوّلان أنه تعرض لوعكة صحيّة بعد توقيفه، ما أدّى إلى توقف القلب ووفاته، بعد أن نُقل إلى المستشفى العسكري، بينما عاكس التقرير الثالث التقريرين السابقين ليؤكد أن حرقوص تعرض للضرب والتعذيب نتيج عنها  كسر في الجمجمة  أدّى إلى وفاته.

فتح تحقيق

هذا التضارب دفع مدير المخابرات في الجيش اللبنانيّ العميد طوني قهوجي، ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي كلود غانم إلى مُتابعة الملف لمعرفة ملابساته. 

وتفيد معلومات "المدن" أنّ غانم يُتابع التحقيق، لمعرفة ما إذا كان حرقوص قد تعرّض فعلًا للتعذيب أثناء التحقيق. وفي ظلّ تضارب التقارير الطبية، فهو ينتظر تقريراً مفصلاً من لجنة أطباء شرعيين جرى تكليفها لإجراء كشفٍ جديد على جثة حرقوص. 

وكانت هذه القضية محلّ جدلٍ لدى الرأي العام اللبنانيّ بعد أن نشرت عائلته صورًا لجثته وقد بدت عليها آثار التعذيب. وذلك على الرغم من أن توقيفه لم يطل أكثر من 24 ساعة، قبل أن تُبلَّغ أسرته بوفاته. 

ما هي رواية آل حرقوص؟ 

في اتصال مع "المدن" أفاد والد محمد، فرح حرقوص، أن ابنه اختُطِف عند الثالثة والنصف ظهرًا في السادس من كانون الثاني، من أمام مستشفى الرسول الأعظم على طريق المطار، وأن شبّانًا يستقلون "فاناً" أبيض اللون فاجأوه وقالوا إنهم عناصر في "اللجنة الأمنية التابعة لحزب الله". 

سارعت زوجته، التي كانت برفقته، إلى الاتصال بوالد محمد لإبلاغه بما حصل. ولدى وصوله إلى المستشفى، طلب من الإدارة فتح كاميرات المراقبة لتوثيق ما حصل، فلم تُوافق على طلبه حتى هذه الساعة، ودائمًا بحسب رواية والد محمد حرقوص.

بعدها، تواصل الأب مع عدة مسؤولين في حزب الله، فنفوا أن يكون نجله قد أوقِفَ لدى "اللجنة الأمنية". فتوجه إلى مخفر برج البراجنة، سائلًا عن ابنه، حيث أجريَت عدة اتصالات جديدة مع حزب الله، فأجاب المعنيّون بالنفي مرة أخرى. 

سأل الوالد عن نجله لدى الأجهزة الأمنية، أمن الدولة، شعبة المعلومات ومخابرات الجيش ولم يحصل على إجابة وافية. 

يقول حرقوص لـ"المدن" إنّه عند الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم التوقيف، ورد إلى العائلة اتصال من مخابرات الجيش اللبناني، لإبلاغهم بأن ابنهم نقل إلى المستشفى، وأنّه فارق الحياة. وخلال استعداد العائلة لاستلام الجثمان، أبلغ أحد أفراد الهيئة الصحية الذي يعمل هناك، وتربطه علاقة معرفة بالعائلة، الأب أن جثة نجله يظهر عليها آثار التعذيب. وهذا ما دفع أسرة الضحيّة إلى طلب حضور طبيب شرعي للكشف عليها. إذ أكّد التقرير أن الجثة تعرضت لتعذيب  وضرب بآلات حادّة نتج عنها كسرٍ في الجمجمة.

يتابع الأب حديثه، ويقول إنّه أثناء خروجه من المستشفى العسكري، كان صوت طائرة الاستطلاع الإسرائيلية واضحًا في سماء بيروت، فطلب بلحظة انفعالية من أفيخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيليّ أن يقتلَ من تسبب بمقتل ابنه، ليرد عليه أحد الضباط هناك، "ما تدعي علينا، استلمناه هيك من حزب الله ما خصنا".

تقدمت العائلة عبر وكيلها القانونيّ بشكوى أمام النيابة العامة التمييزية، لفتح تحقيق حول ملابسات قتله، وحوّل الملف إلى القاضي غانم الذي يُتابعه. 

وهذه الرواية، تفتح تساؤلات عديدة، أهمها ما الأسباب التي قد تؤدي إلى توقيفه؟ هنا يجيب الوالد أن نجاه يعمل منذ سنوات في برمجة الهواتف الخلوية، لكنه منذ حوالى الأسبوعين، تواصل مع شخص سوريّ الجنسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، طلب منه خدمة "ديلفري" لتوصيل معاملات لأشخاص سوريين في لبنان، مقابل 5 دولارات أميركية في كل مرة، فوافق لأنه أب لطفلتين، ويحتاج إلى مدخول إضافي. بدأ محمد عمله في توصيل الأوراق والهويات ورخص سيرٍ وغيرها.

 وفي المرة الأخيرة كان مُتوجهًا لتسليم أحد الزبائن بعض الأوراق، ورافقته زوجته، ليتبين لاحقًا أن هذا السوريّ هو الذي بلّغ عن محمد، وفور وصول الزبون إلى أمام مستشفى الرسول الأعظم، كان "الفان" الأبيض خلف سيارته، وحصلت الحادثة. 

وانطلاقًا من رواية العائلة، يبرز سؤال أساسي حول الأسباب التي تدفع حزب الله إلى اختطاف محمد وتعذيبه؟ وما هي المعلومات المطلوب معرفتها تحت ضغط التعذيب؟ هنا يتحدث الأب عن احتمال أن تكون المستندات أو الأوراق التي حاول تسليمها تعود لإحدى الشخصيات السورية التي يهتم بها الحزب، ليؤكد بعدها أن ابنه لم يكن على دراية بهويات هؤلاء الزبائن، وقد افتصرت مهمته على تسليم ما يطلب منه فقط. 

في المقابل، تبرز رواية أخرى، تفيد أنه ضبط بحوزة حرقوص عشرات الأوراق ورخص سوق مزورة  تعود لأشخاص سوريين كان أوقف بسببها. ما يفتح على فرضية أخرى خلفيتها أمنية تتعلق بمنح أوراقٍ مزورة لأشخاص سوريين، أو لتخليص معاملات لأشخاص بين لبنان وسوريا. 

وأمام هذه المعطيات، فإن الحقيقة ستنكشف بناء على  التحقيقات التي يتولاها غانم الذي قد يتجه إلى طلب تقرير رابع واضح وشفاف من أجل حسم الجدل، ومعاقبة الجهة التي تسببت بمقتل حرقوص. وأوضحت مصادر "المدن" أن التقارير الأولى لم  تظهر وجود كسر الجمجمة بسبب عدم إجراء صورة لرأس الضحية، موضحة أن حرقوص كان يعاني من عارض صحي وشفي منه، لكن تكراره لا يؤدي إلى توقف القلب، بل يتسبب بنزيف داخليّ. 

بيان قيادة الجيش

في السياق، أصدر الجيش اللبناني بيانًا جاء فيه: يهم قيادة الجيش أن توضح أنه بعد توقيف المواطن المذكور للتحقيق معه، نقل إلى المستشفى لدى ظهور عوارض صحية استدعت فحصه طبيًا، وقد توفي في المستشفى لاحقًا مع الإشارة إلى أنه قبل تسليم الجثمان لذويه وبعده، تم الكشف عليه من قبل أطباء شرعيين وأصدروا عدة تقارير. ودعت قيادة الجيش إلى "عدم تناول هذا الموضوع لما له من خصوصية، لافتةً إلى أن الجيش توسع في التحقيق بإشراف القضاء المختص للوقوف على ملابسات الحادثة وتحديد المسؤوليات في حال وجودها.