غموض يلفّ مصير مجتبى خامنئي… من يُمسك القرار في إيران؟

في ظل تضارب المعلومات حيال وضع المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، تتصاعد التساؤلات بشأن الجهة التي تدير القرار في إيران. وبين مؤشرات تشدد وتصاعد دور المؤسسة العسكرية، يبقى الغموض سيد المشهد، مع ترقب مسار الحرب واحتمالات التهدئة.


نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤولين أمنيين أميركيين وإسرائيليين أن مجتبى خامنئي "مصاب ومعزول ولا يستجيب للرسائل الموجهة إليه".

ووفقاً لمسؤولين إسرائيليين، فقد شدد الحرس الثوري الإسلامي وبعض رجال الدين قبضتهم على إيران.

وكان موقع "أكسيوس" قد ذكر يوم السبت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الموساد الإسرائيلي وأجهزة استخباراتية أخرى تعمل على رصد أي أثر لخامنئي، الذي لا يزال مختفياً عن الأنظار منذ إعلانه مرشداً أعلى جديداً عقب اغتيال والده.

وفي ظل هذه المعلومات، تُطرح تساؤلات عديدة: من يمسك بزمام المبادرة في البلاد؟ وهل قد يتجه النظام إلى مزيد من التشدد؟

يرى السفير العراقي الأسبق في باريس وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور غازي فيصل، في حديث لـ"النهار"، أنه في جميع الأحوال "يبدو أن القرارين السياسي والعسكري يتركزان اليوم بيد الحرس الثوري الإيراني".

ويشير إلى أن هذا الواقع ينعكس مباشرة على طبيعة المرحلة المقبلة، متوقعاً مزيداً من التشدد في المواقف، سواء على مستوى الشروط أو في ما يتعلق باستمرار العمليات العسكرية. فبحسب تقديره، يتعامل الحرس الثوري مع الحرب باعتبارها فرصة لتعزيز مشروعه الأيديولوجي، الذي يقوم على فكرة "الحرب المقدسة" لبناء "دولة العدل الإلهي"، في مواجهة "الشيطان الأكبر".

هذا التوجه، وفق فيصل، لا يقتصر على الخطاب، بل يترجم عملياً في تهميش متزايد لدور المؤسسات المدنية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية والحكومة، مقابل صعود نفوذ المؤسسة العسكرية. ويقول إن هذه المعادلة تعني، في المدى المنظور، استمرار الحرب، مع تضاؤل فرص التهدئة أو التسوية في المرحلة الراهنة.


بدوره، يقول مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر، لـ"النهار"، إن الجهة التي تدير البلاد والحرب حالياً هي ما يُعرف بـ"النواة الصلبة"، وهي مجموعة من قادة الحرس الثوري الإيراني الذين كانوا يحيطون بالمرشد السابق علي خامنئي، ويشاركونه اتخاذ القرار النهائي وتنفيذه في مختلف القضايا.

وقد سارعت هذه المجموعة إلى طرح اسم المرشد الجديد في الإعلام، بهدف الحفاظ على قبضتها على السلطة، وسحب البساط من تحت أقدام مجلس القيادة الثلاثي الموقت، وكذلك مجلس تشخيص مصلحة النظام، المسؤولَين عن إدارة شؤون الدولة في حال غياب المرشد، وفقاً للدستور الايراني.

في المقابل، لم يجتمع مجلس خبراء القيادة لانتخاب مرشد جديد، كما ينص الدستور الايراني، ما دفع كثيرين داخل إيران إلى اعتبار أن "النواة الصلبة" نفذت نوعاً من الانقلاب على الدستور.

أما بشأن احتمال ازدياد تشدد النظام، فيرى حيدر أنه إذا شعرت هذه القوى بأن النظام السياسي مهدد، فقد تتجه إلى إبداء مرونة في مواقفها، وهو ما تشير إليه بعض المعلومات المسرّبة من طهران.

على وقع الحرب المتصاعدة، تشير التقديرات إلى أن النظام الإيراني لا يتجه إلى السقوط بقدر ما يعيد ترسيخ نفسه بصورة أكثر تشدداً. فبين الضربات العسكرية والضغوط الداخلية، تبرز معادلة جديدة: نظام أضعف، لكن أكثر إحكاماً للسيطرة، وأقل قابلية للتغيير في المدى القريب.

وكانت تقارير وتقييمات قد تحدثت أخيراً عن أن الحرب في ايران بدلاً من إسقاط النظام، قد تسهم في إعادة تشكيل نظام أكثر تشدداً، مع بقاء احتمالات التغيير محدودة في المدى المنظور.
 

أما الدكتور في العلوم السياسية والعلاقات الدولية نبيل خوري، فيقول لـ"النهار" إن هناك "أكثر من احتمال، ولا يمكن الجزم بأي منها في ظل غياب معلومات دقيقة، حتى لدى الاستخبارات الأميركية"، مضيفاً: "إما أن مجتبى خامنئي يتوارى عن الأنظار ويدير الأمور بصعوبة، أو أنه مصاب ومعزول، ما يطرح تساؤلات بشأن الجهة التي تدير القرار في إيران".

ويرى في المقابل أنه "لا شك في أن الأداء العسكري الإيراني يوحي بوجود قيادة ما داخل الحرس الثوري الإيراني، أو على الأقل هيكلية بديلة وخطة جاهزة لإدارة العمليات حتى في حال غياب القيادة العليا. يبدو أن هناك استعداداً مسبقاً لهذا النوع من الحروب، وأن الخطة تُنفّذ بدقة، بغض النظر عن موقع مركز القرار وكيفية التنسيق داخله".

وقد أعلن ترامب أن واشنطن وطهران عقدتا محادثات "جيدة ومثمرة للغاية" للتوصل لحل كامل لحالة العداء مع إيران، مؤكداً أنه سيؤجل شن ضربات عسكرية ضد مواقع الطاقة والكهرباء الإيرانية لمدة خمسة أيام.


وقد نفت إيران ذلك، إذ نقلت وكالة "مهر" الرسمية عن وزارة الخارجية الإيرانية بأنه لا توجد أي محادثات بين طهران وواشنطن، مضيفة أن تصريحات الرئيس الأميركي تأتي في إطار محاولات خفض أسعار الطاقة وكسب الوقت لتنفيذ خططه العسكرية.

وفي وقت سابق، منح ترامب إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، محذراً من هجمات تستهدف محطات الطاقة الخاصة بها إن لم تستجب لطلبه.

وفي هذا السياق، يقول خوري إن ترامب "إما يحاول إعطاء فرصة للأسواق، وخصوصاً سوق النفط، وتأجيل المواجهة الكبرى، على أمل أن يظهر في إيران طرف مستعد للتفاوض، أو أن هناك فعلاً مساراً تفاوضياً جدياً".

ويضيف: "إذا كان هناك مسار تفاوضي حقيقي، فهذا يعني وجود قيادة منسّقة داخل إيران - قد يكون مجتبى أو غيره - تسعى إلى إيجاد مخرج مع ترامب. لكن في المقابل، لا يعني هذا التصريح أن الأمور حُسمت باتجاه تسوية"، لافتاً إلى أن ترامب قد يكون ببساطة يكسب الوقت، خاصة بعد منحه مهلة 48 ساعة، إما لعدم الجهوزية أو لتفضيل التأجيل، أو ربما لأن هناك بالفعل مساراً تفاوضياً قيد التبلور.